وبينما كانت الخاصّة تملك المال الوفير وتعيش عيشة التّرف والنعيم ، كان أكثر الشّعب بائساً فقيراً لا يستطيع توفير قوت يومه وكانت لذلك نتائج اجتماعية واضحة ، يقول عنها أحمد أمين :
« نشأ عن هذه الحالة الاجتماعية مظاهر متعدّدة ، ترفٌ لا حدّ له في بيوت الخلفاء والأمراء وذوي المناصب وفقر لا حدّ له في عامّة الشّعب والعلماء والأدباء اللّذين لم يتّصلوا بالأغنياء ثمّ المظاهر التي تنتج عادةً من الإفراط في التّرف كالتفنّن في اللّذائذ والإستهتار والنّعومة وفساد النفس وكلّ المظاهر التي تنشأ عن الفقر كالحقد والحسد والكذب والخبث والخديعة » ( ظهرالاسلام 1 : 99 ) .
إذن هناك تماثل واضح بين ما صوّره التّوحيدي من تباين بين الأغنياء والفقراء وما صوّرته الكتب التي تحدّثت عن القرن الرابع الهجري وهذا التّماثل يعطي كتاب الإمتاع والمؤانسة قيمةً وثائقيةً لا شكّ فيها .
ومن خصائص العصر الاجتماعية من خلال الإمتاع والمؤانسة انعدام الأمن ونقتصر في تأييد ذلك بما أصاب الناس بمدينة بغداد في ذلك العصر فقد : « خلت المنازل ببغداد من أهلها وصاروا يطلبون من يسكن الدّار بأجرة يتعطّاها ليحفظها أغلقت عدّة حمّامات ومساجد . » ( متز 31 : 1 ) .
وفسّر أبوحيّان في الإمتاع والمؤانسة انعدام الأمن بالتعصّب المذهبي ونجد آدم متز يفسّر هذه الظاهرة بنفس السبب معتمداً على كتب قديمة كتاريخ ابن الأثير وتاريخ يحيي بن سعيد ( وهو مخطوط بمكتبة باريس ) وغيرهما ويقول :
« وأضيف إلى هذا ما كان بين السنّيين والشّيعة من نزاعٍ دائمٍ فكانوا يُلقون النّارَ بعضُهم على بعضٍ دائماً وفي سنة 361 قامَتْ بالكَرخ فتنةٌ ، فأرسل الوزيرُ حاجبَه لقتال العامّة وكان شديدَ التعصّب للسنَّةِ ، فاضطرّ إلى إلقاء النّار في أماكن كثيرةٍ ليَقضي على الفتنة ، فاحترق الكرخُ حريقاً عظيماً وكان عدّة من احترق فيه سبعةُ عشر ألف انسانٍ واحترقت طائفةٌ كثيرةٌ من الدّور والأموال من ذلك ثلاثمائة دكّانٍ وثلاث وثلاثون مسجداً . . . » ( متز 59 : 1 - 60 ) وإنّ هذا الموضوع قد ذكر في مصادر أخرى مثل : ابن كثير 273 : 11 ، مسكويه 386 : 5 - 389 ، ابن خلدون 531 : 3 .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 268
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٦٨