تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
والاختلاف بينه وبين كتب التاريخ أو التراجم ، إنّما هو في دقائق المعلومات وفي بعض التّفصيلات الأخرى ولا غرابة في ذلك فالكتاب ، كم سبق أن أكّدنا ، هو كتاب أدب وليس كتاب تاريخ .

5 - 3 - دراسة وتحليل الأحوال الاجتماعية في الإمتاع والمؤانسة :

ولم تكن الصّورة العامّة التي قدّمها لنا التّوحيدي عن الحياة الاجتماعية مخالفة للواقع السائد آنذاك ولعلّ الصورة عن الأحوال الاجتماعية تبدو أصدق من الصّورة المعطاة عن الأحوال السياسية ؛ فقد بينّا في سياق تحليلنا لخصائص الحياة الاجتماعية أنّ أهمّ ما ميّز تلك الحياة هو التباين الطّبقي بين الخاصّة والعامّة وأبرزنا ترف الأولى وخصاصة الثّانية . ونجد نفس هذه الصورة منبثّة في كلّ الكتب التي تتحدّث عن ذلك العصر ، فالأثرياء كانوا يملكون القصور الفاخرة والغلمان والجواري وكانوا يحرصون على اقتناء الجواهر الفاخرة والنادرة . ويحدّثنا أحمد أمين عن ثراء الوزراء يقول : « وهكذا كان تيّارُ التّرف شديداً جارفاً حتّى ليكتسح مَن وَقفَ في سبيله وقد أنشأ عضدُالدولة البويهي بُستاناً بلغت النّفقةُ عليه وعلى سوق الماء إليه خمسةُ آلاف درهم . » ( المسعودي 338 : 2 ، أمين 85 : 1 ) . والوزير ابن مُقلة يربّي الحيوانات في قصره ويعنى بها أكثر عناية « فكان له بستان عظيم عدّة أجربة شجر بلا نخل ، عمل له شبكة إبريسم وكان يفرخ فيه الطّيور التي لا تفرخ إلّا في الشّجر » ( الصفحة نفسها ) . والوزير ابن الفرات كان يملك أموالًا كثيرة تزيد على عشرة آلاف آلاف دينار وكان ابن الفرات لا يأكل إلّا بملاعق البُلور « وكان لا يأكل بالملعقة الّا لقمةً واحدةً » ( ابن خلّكان 1 : 530 ، أمين 1 : 86 ) . وبلغ بالكبراء التّرف أن جعلوا مع الطّباخ رجلًا يعتني بتقديم الشّراب لهم سمّوه الشّرابي ، يقول آدم متز : « وكان في بيوت الكبراء إلى جانب صاحب المطبخ رجلٌ يسمّى الشّرابي ، شأنه العناية بالشّراب وآلته وبالفاكهة والروائح . » ( متز 245 : 2 ) .