والواقع أنّ التفاوت المادّي بين هذه الطبقات كان بعيداً جداً ( فالفرق بين الطبقة العليا والدُّنيا فرق كبير ) وقد لاقى العلماء والأدباء الذين بعدوا عن الخلفاء والأمراء أقسى حياة وعانوا من الفاقة ما لا طاقة لهم عليه ، كما سيظهر عند الكلام عن العصر ثقافياً .
1 - 2 : الاتجاه الثّقافي والعلمي في القرن الرابع :
لاشكّ أنّ الحياة العلمية والأدبية والثّقافية بصورة عامة ، تنتعش وتزدهر في ظلّ الإستتباب والهدوء والأمن ، ذلك لأنّ هذه العوامل تساعد على تأمين رغد العيش ومتعة الحياة للإنسان حتى إذا ما توفّر للانسان ، كلّ ذلك أمكنه أن يلجأ إلى المتعة النفسية والعقلية والجمالية فتزدهر العلوم وتنشط الآداب ، ولكن من الملاحظ بصورة عامّة « أنّ هذا الازدهار والنشاط لايتوقّف إذا اضطربت الحياة السياسية لأنّ نموّ العلوم والآداب والفنون وإزدهارها أو تأخيرها ، إنما يتقلّب في أطوار بطيئة مديدة للغاية لا تساير الأطوار السياسية ولا تسير معها جنباً إلى جنب . » ( الحوفي 1 : 16 - 18 ، عبد الهادي 36 )
وإذا كان القرن الرابع الهجري عصر اضطراب سياسي أدّى إلى نشوء دويلات استقلّت عن الدولة الأمّ ولم ترتبط معهما إلّا بالاسم ، فإنّ بلاطات هذه الدويلات كانت ملاذاً للشعراء والأدباء ورجال العلم والفلسفة واللّغة لما وجدوه فيها من تشجيع وتكريم ، ففاضت ألسنةُ أولئك الشعراء والأدباء بمدح السّلاطين وأمراء تلك الدويلات الذين كانوا يتنازعون على السلطة والنفوذ في كلّ شيء ، كما راحوا يدافعون عن أنفسهم بشتّى الطّرق والوسائل سواءً كانت عسكرية أو مادّية . فكان الأديب أو الشاعر لسانُ حال الأمير ومادحه ورافعُ اسمه بين النّاس فيعلو ذكره ويَذيع صيته بعد ما كان مغموراً .
رغم ضعف الدولة سياسياً كما رأينا ، لكن النشاط العلمي والأدبي سلك في طريقه إلى غرضه .
وذلك لأسباب :