ولربّما كانت النّكبة أخفّ وطأةً لو أنّ هذه الدويلات المنفصلة كانت على وفاق فيما بينها وإيثار السّلام وأنّها كانت تتآخى وتتعاون على صدّ المغير من الرّوم ، لكنّ النكبة كانت مضاعفة لأنّ بأس الحكام كان بينهم شديداً ولم يكن الأمن في الداخل مستقراً ولم تكن الثورات تهدأ فابن رائق « 1 » يستولى على البصرة ثمّ على دمشق والبريدي « 2 » يستولى على خوزستان ثمّ على بغداد والمرزبان بن بختيار « 3 » يثور بالبصرة وابن بقيّة « 4 » يثور بواسط 364 : ه . ( مسكويه 344 : 6 ) .
وتعرّضت بغداد لنكبة بسبب العيّارين الذين قويت شكيمتُهم فهاجموا وعاثوا فيها فساداً « 5 » حتى أعجز السّلطان أحد اللّصوص الذي ترأس جماعة و « خاف الناس حتى طلبوا من يسكن الدور بأجرة ليحفظها » ( متز 1 : 31 ) ولم تقتصر الفتن على هذا النوع من السّرقة والنّهب ، بل كان هنالك أنواع أخرى من الفتن وهى الفتن المذهبية فقام الخلاف بين السّنة والشيعة وبلغ درجة كبيرة حتى ألقوا النّار على بعضهم البعض وقتل الآلاف وعمّ الخراب الذي لحق بالبلاد من حرق الدّكاكين والمساجد وسلب الأموال ، وعن حال بغداد في هذه الفترة وما كانت عليه سابقاً ، كتب المقدسي عنها يقول :
« كانت أحسنَ شئٍ للمسلمين وأجملَ بلدان وفوق ما وصفنا حتى ضَعُفَ أمرُ الخلاقة فاختلف وخفّ أهلُها . فأمّا المدينة فخرابٌ والجامع فيها يعمَّر في الجمع ثمّ يتخلّلها بعد ذلك الخرابُ . . .
هامش
( 1 ) - هو الأمير أبو محمد بن رائق والى دمشق . توفّى سنة 330 للهجرة ( الزهري 3 : 275 ) .
( 2 ) - أبو عبد الله البريدي ، ولّى وزارة الراضي بالله سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ( القفطي 118 : 4 ) .
( 3 ) - المرزبان بن بختيار : والي البصرة في زمن عضدالدولة ولقّب بإعزاز الدولة ( مسكويه 401 : 6 ) .
( 4 ) - هو محمد بن محمد بن بقيّة وزير عزّ الدولة بختيار والمحرض له على عضد الدولة . انتهى به الأمر إلى أن اعتقل وسملت عيناه ، ثمّ قتل تحت أرجل الفيلة سنة 367 : ه . ( أنظر صفحات متفرقة من تجارب الأمم وتاريخ ابن الأثير ووفيات الأعيان والوافي 1 : 100 ) .
( 5 ) - وكان أبوحيّان نفسه من ضحايا ثورتهم سنة 363 : ه إذ ثاروا ثورة عاتية وجعلوا يحرّقون ويدمّرون وينهبون وامتدّت أيديهم إلى الحيّ الذي يسكن فيه أبوحيّان فنهبوا من منزله كلّ ما وجدوه من ذهب وملابس وأثاث وقضت جاريته نحبها من الخوف ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 151 ) .