وهى في كلِّ يوم إلى وراء وأخشى أنها تعود كسامرّاء مع كثرة الفساد والجعل والفسق وجحود السلطان . » ( المقدسي 158 )
ومن مظاهر فساد السّاسة والرّجلات هو :
« ولمّا اعتلى المكتفي العرش كثر الفساد إذ كان مُسرفاً شديداً الإسراف والتبذير وزادت في عصره اقتطاع أجزاء من أراضي الدّولة العباسية . » ( إبراهيم حسن 438 )
ولاشكّ في أنّ خلفاء بني العبّاس في القرن الرابع ، كانوا رموزاً ، لكنّهم كانوا رموزاً لا مهابة لها ولا جلال ، فهم رموز للمنصب الديني لكنّهم محرومون من التّوقير والإجلال وكان الأمر كلّه بيد المتغلّبين والحاكمين ، يصرّفونه كما يشاؤون ، غير مقيّدين برعاية المصالح وتوخّي العدالة ، لذا تفشّى الخراب والفساد وانصرف الخلفاء منذ المقتدر ( 295 - 320 : ه ) عن الملك والسّياسة واستسلموا للشّهوات وأسلموا مقاليد شؤونهم لنساء القصر وغلمانه .
يقول موير : « قد جرّحكم هذا الخليفة البائس الطويل الخلافة إلى أحطّ الدركات وكان الخليفة في بغداد ألعوبة في أيدي الحراس الأجانب وكانت النساء لها الكلمة العُليا في شؤون الدولة وأصبح العرش موضع سخريّة في الداخل وهدفاً لطمع المغيرين من الخارج . ولم تعد بغداد المدينة القادرة على صدّ هجمات المغيرين ، بل تدهورت الأخلاق فيها ولعبت الدسائس والاضطرابات دوراً خطيراً . » ( حسن خليفة 195 ) ولم يبق للخليفة إلّا منصبه الأسمى الرّسمي فحكّام الأقاليم - ما عدا الفاطميين - يذعنون له بالسّلطة الدّينية ويبعثون إليه الهدايا ويخطبون على المنابر باسمه ويدعون له .
كان من الطّبيعي أن يجرؤ هذا الضعف المتزايد خصوم الدولة على الطمع فيها واقتطاع بعض أرجائها وما الذي يمنع الروم من الهجوم على ملك متفرق الكلمة ، مبعثر القوة ، مستباح لكلّ طامح أو طامع ؟
أغار الرّوم على أطراف الدولة غارات عدّة : أغاروا عليها سنة 303 وسنة 314 وسنة 315 : ه .
واستولوا سنة 314 : ه على مدينة ملطيّة ( مسكويه 5 : 249 ) . « ثمّ في عام 331 : ه على دياربكر واقتربوا من نصيبين وظهروا على المسلمين وشغل حكّام المسلمين بولاياتهم الخاصّة كما فعل ملوك
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 25
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٥