تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وقد تحدّث أبوحيّان كثيراً في كتابه عن جور الحكّام وعن صراعاتهم السياسية وهذه عين الصّورة التي نجدها في المراجع الأخرى ، فالأمير معزّ الدولة لم يتوانَ عن مصادرة ثروات النّاس وأخذ أموالهم ليبنى لنفسه داراً جديدة في شمال بغداد « وكان لا يأبه كثيراً لحقوق رعيّته ، فاضطرّ إلى خَبط النّاس واستخراج الأموال من غير وجوهها » ( متز 1 : 59 ) . ولم يبق للخليفة من الأمر شيء البتّة منذ أيّام معزّ الدولة « ونظر وزير الخليفة مقصورٌ على أقطاعه ونفقات داره والوزارة منسوبة إلى معزّ الدولة وقومه من الدّيلم شيعة للعلويّة . . . » ( ابن خلدون 3 : 522 ) . وذكر التّوحيدي حادثة قتل عضدالدولة للوزير ابن بقيّة وصلبه ببغداد ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 41 : 1 - 42 ) وفصّلت بقيّة المراجع كيف وقع القتل والصّلب فنجد مثلًا في كتاب ابن خلّكان ، ( وفيات الأعيان ) أنّ عضدالدولة قد سمل عينَي ابن بقيّة ووضعه تحت أرجل الفيلة سنة 367 وصلبه ببغداد فبقى مصلوباً إلى أن مات عضدالدولة ( ابن خلّكان 203 : 4 - 204 ، الحصري 110 : 4 ، الصفدي 100 : 1 ، البيهقي 208 ) . وتدلّ هذه الحادثة على شدّة الصّراع السياسي بين الحكّام مثلما أكّده أبوحيّان وقد كثرت الإهانة والقتل والتّنكيل بين رجال السّياسة ولم يسلم من ذلك حتّى الخلفاء . فقد امتهنهم البويهيّون وأساؤوا إليهم مثلما وقع للخليفة الطائع فقد : « دخل بعضُ الدّيلم كأنّه يريد تقبيلَ يد الخليفة فجذَبُوه وأنزلوه عن سريره وهو يستغيثُ ولا يلتفت اليه أحدٌ وأخذوا ما في داره . . . ثمّ أمروه أن يخلع نفسه ، ففعل بعد أن نزل للبويهيين عن كلّ شيء » ( أمين ، ظهرالاسلام 1 : 53 ، الزركلي 4 : 53 ، الأنباء 182 ، ابن كثير 11 : 308 ) . وقد كان هذا الصّراع قائماً بين وزراء الدولة من البويهييّن فأبوالفتح بن العميد وزير ركن الدولة بالريّ قد وقع سجنه وسمل عينه الوحيدة ، ثمّ قتله ، كلّ ذلك بتآمر من الصاحب ابن عبّاد مع بعض أعداء ابن العميد . ( الزركلي 116 : 2 ، ابن خلدون 599 : 4 ، مسكويه 314 : 6 ) . ففي ما يتعلّق بالحياة السياسية نستطيع إذن أن نؤكّد أنّ الإمتاع والمؤانسة قد صوّر لنا خصائص العصر كما هي من توتّر وفساد وظلم وصراعات سياسية الخ .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 266 | مهدي عابدي