كما جاء في تاريخ الطبري : « خرج الدّمستقُ في جموعٍ كثيرةٍ إلى بلاد الإسلام فَوطئَها وأثّر الآثار القبيحةَ فيها . . . وأقام بها خمسةَ وعشرين يوماً وأنفذ اليه أبو تغلب مالا هادنَة بِهِ وأتى المستغيبونَ من أهل تلك البلاد إلى بغداد وضَجُّوا في الجامع وكسروا المنابرَ ومنعوا من الخُطبة وصاروا إلى دار المطيع لله وقلعوا بعضَ شبابيكِها وكان عزّالدولة بالكُوفة . . . ثمّ وصل الخبرُ بأنّ الدّمستق قصدَ أمدَ ، فخرج إليه واليها « هزارمرد » ، مولى أبي الهيجاء بن حمدان وانضمّ اليه هبة الله بن ناصر الدولة وساعدهم أهل الثّغور ، فنصرهم الله وكثُرَ القتلُ والأسرُ لأصحاب الدّمستق وأخذ مأسوراً وذلك في ثاني شوّال . » ( الطبري 428 : 11 ) .
ونقرأ كذلك في كتاب آدم متز نقلًا عن عدد من المصادر القديمة حديثاً في نفس الموضوع يبرز فيه ثورة العامّة على الخليفة يقول : « قصدوا دارَ الخليفة فحاولوا الهجومَ عليه واقتعلوا بعضَ شبابيك دارالخلافة وخاطبوا الخليفةَ بالتّعنيف ، فرماهم الغلمانُ بالنِّشابِ من الرّواشن . . . » ( آدم متز 1 : 27 ) .
وفي ما عدا هذا الاختلاف نجد الرواية بين الإمتاع والمؤانسة وبقية المراجع متوافقة وذلك ما يجعلنا نقرّ وجود قيمة وثائقية - ولو إنها غير كلّية - في الكتاب .
وتحدّث التّوحيدي عن كلّ ما فعله العيّارون سنة 362 ببغداد من نهب وسلب وقتل وسفك الدّماء . ففقدت المدينة أمنَها ، على أنّ هذا الأمر لم يكن حدوثه فُجائياً مثلما توحي بذلك رواية التّوحيدي ، فالعيّارون قدبدأ استبدادهم ببغداد منذ سنة 315 فهاجموها وعاثوا فيها فساداً وقد تفاقم أمرهم حتى أعيى السلطة واشتهر منهم لصوص كابن حمدي وغيره . يقول آدم متز واصفاً ما أصاب الناس من أفعال هذا اللّص : « ومضى على النّاس في أيّام ابن حمدي وقتٌ تحارسوا فيه بالبُوقات في اللّيل وامتنع عليهم النّومُ خوفاً من كَبساتِ هذا الّلصّ وأصحابه . » ( متز 30 : 1 - 31 ، مسكويه 89 : 6 ) .
وورد في التاريخ أنّ : « في أيام المتّقي ، كان ابن حمدي اللصّ ضمنه ابن شيرزاد ( لمّا تغلّب على بغداد ) اللّصوصية بخمسة وعشرين ألف دينار في الشّهر ، فكان يكبس بيوتَ النّاس بالمشعل والشّمع ويأخذ الأموالَ وكان اسكورج الدّيلمي قد ولىَ شرطةَ بغداد فأخذه ووسّطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين » ( ابن الأثير 416 : 8 ، ابن العماد 4 : 299 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 265
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٦٥