تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
عدد كبير من الضّغوط المادية والأدبية أشرنا إليها عند التّعريف بالكتاب في العنصر الأول من هذا البحث . فهذه المآخذ على الكتاب أردنا بها تحديد المنزلة العلمية للقيمة الوثائقيّة للأثر لا غير . ونجد مقابل هذه المآخذ ، عناصر أخرى تُغرينا بوجود وجه وثائقيّ للإمتاع والمؤانسة من ذلك أنّ التوحيدي قد عاش ببغداد وألّف الكتاب بها وبغداد كانت آنذاك : « هي العاصمة بمعني الكلمة الحقيقي وآية ذلك أنّ جميع الحركات الرّوحية في مملكة الاسلام كانت تتلاطم أمواجُها في بغداد وكان بها جميع المذاهب أنصاراً » ( متز 1 : 133 ) . لهذا تكون الصورة الموجودة في الإمتاع والمؤانسة عن المجتمع معبّرة بصورة عامّة عن أحوال المعيشة فيها سياسياً واجتماعياً وفكرياً وهذا ما سنحلّله في ما يلي :

5 - 2 - دراسة وتحليل الأحوال السياسية في الإمتاع والمؤانسة :

ففي ما يتعلّق بالأحوال السّياسية رأينا التّوحيدي يطيل في إبراز التوتّر السياسي والفساد السياسي اللّذين سادا المجتمع آنذاك وقد بينّا أنّ من مظاهر التوتّر السّياسي انعدام الأمن الخارجي وظهر ذلك في حديث التّوحيدي عن ثورة الرّوم وهجومهم على البلاد الاسلامية في سنة 362 . وقد حاولنا أن نقارن بين ما أورده التّوحيدي وما وجدناه في كتب التّاريخ بشأن هذه الثورة فوقفنا على تماثل تامّ في رواية الأحداث إلّا في ما يتعلّق بموقف العامّة من الخليفة المطيع لله . فبينما أشار أبوحيّان مجرّد إشارة إلى المطيع لله وكأنّه ليس مسؤولًا عمّا يقع بالبلاد . فحمّل الأمركلّه الأمير عزّالدولة وبيّن ثورة العامّة عليه ، لا على الخليفة . ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 3 : 153 ) ، نجد في كتب التّاريخ أنّ النّاس ثاروا على الخليفة لا على عزّالدولة ، ففي كتاب « شذرات الذّهب في أخبار من ذهب » لابن العماد الحنبلي نقرأ في أخبار سنة 362 : « وفيها أخذت الرّوم نَصيبين واستباحُوها وتوصّل من نجا إلى بغداد وقامَ معهم المطوّعَةُ واستنفروا النّاسَ ومنعُوا من الخطبة وحاولوا الهجومَ على المطيع لله وصاحوا عليه بأنّه عاجزٌ ، مضيِّعٌ لأمر الاسلام . . . » ( ابن العماد 327 : 4 ، ابن خلدون 331 : 2 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 264 | مهدي عابدي