تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
« والنّاس كلّهم محجُومونَ عنه ، لجرأته وسَلاطَتِهِ واقتداره وبَسطَته ، شديدُ العقاب ، طَفيفُ الثواب ، طويلُ العتاب ، بَذئ اللّسان ، يُعطي كثيراً قليلًا ( أعني يعطي الكثيرَ القليل ) ، مغلوبٌ بَحرارة الرأس ، سريعُ الغضب ، حَسودٌ حَقودٌ وحسدُه وقفٌ على أهلِ الفضل وحِقدُه سارٍ إلى أهل الكفاية أمّا الكُتّاب والمتصرّفون فيخافون سَطوتَهُ وأمّا المنتجِعُون فيخافون جَفوتَه . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 55 ) . إنّنا نعتقد أنّ التوحيدي قد قسا على الصّاحب ابن عبّاد فقدّم لنا صورة غير موافقة للحقيقة لعدّة أسباب سنتولّى تحليلها عند نقد مواقف المؤلّف في العنصر الموالي . وقد صوّر لنا التّوحيدي شخصية أبي الفتح ابن العميد مخالفة لما حدّثت به عنه كتب التراجم والسير . فقد قال الزركلي في ترجمته لابن العميد : « أحبّتْهُ القُوّاد وعساكرُ الدّيلم لكرمه وطِيب أخلاقه . » ( الزركلي 5 : 143 ) . ولقد « أجمع مؤرّخوه على أدبه وفضله وسماحة أخلاقه وكفايته في إداره الدولة وإيثاره لذوي الفضل والأدب والعلم . . . » ( محي الدين 78 ) . أمّا ابوحيّان التوحيدي فقد أبرز حسداً لصاحب وقال : « لقى النّاسُ منه الدّواهيَ لهذه الأخلاق الخبيثة . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 67 : 1 ) ، كما تحدّث عن لهوه وتفريطه في مباشرة واجباته السياسيّة وانشغاله باللّهو والشّراب ( المصدر نفسه 3 : 216 - 217 ) . لكنّنا نلاحظ أنّ حديث التوحيدي عن ابن العميد كان أقلّ قسوةً من حديثه عن الصّاحب ، بل إنّ في ما قدّمه لنا عنه شيئاً من الصّحة ، فقد عرف عن أبي الفتح شيء من المجون وميل إلى الصّيد والظّهور بمظهر الزّينة والاحتشاد والإسراف في الملذّات وقد كان المأخذ الأساسي للتّوحيدي عن الرّجل حسدَه للأدباء والعلماء وهو ما لا يتوافق وما حدّثت به عنه كتب التراجم والسّير . هذه أبرز العوامل التي تجعلنا نشكّ في القيمة الوثائقية التّامّة للصّورة التي جاءت في كتاب الإمتاع والمؤانسة عن القرن الرابع الهجري . لكنّنا نؤكّد أنّ هذا الموقف ليس تهجيناً للكتاب أو استنقاصاً لقيمته العلمية ، فهو كتاب أدب وليس كتاب تاريخ وقد كتبه أبوحيّان التوحيدي تحت
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 263 | مهدي عابدي