تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
الشِّناعة وأنّ أميرَالمؤمنين المطيع لله انّما ولّاه ما وراءَ بابِهِ ليتَيَقّظَ من ليله متفَكِّراً في مصالح الرَّعَايا . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 153 ) . فهل كان الخلفاء غائبين عن السّاحة السياسية والاجتماعية كلّ هذا الغياب ؟ تؤكّد كتب التّاريخ أنّ الدّور الأكبر في تعيين الخلفاء وعزلهم ، كان للوزراء البويهيّين ولكن الخلفاء أثّروا تأثيراً واضحاً في الحياة العامة بالبلاد من ذلك أنّ الخليفة القاهر : « كان شديدَ الإقدام على سَفْك الدّماء محبّاً للمال ، قبيحَ السِّياسة ، قليلَ الرّغبة في اصطناع الرّجال ، غيرَ مفكّر في عواقبِ الأمور وكان مُولعاً بالشّراب لا يكاد يَصحُو من السُّكْر وكان يَسمع الغِناء ومَعَ ذلك حَرّم على الناس الخمرَ والقيانَ » ( متز 1 : 36 ) . وسوف نحاول ابراز الأسباب التي جعلت أباحيّان لا يتعرّض بالذّكر إلى الخلفاء بينما تحدّث طويلًا عن الأمراء والوزراء . أمّا العامل الأخير الذي يقلّل من القيمة الوثائقية للكتاب هو التّباين الكبير بين ما قدّمه لنا أبوحيّان من صور عن بعض الوزراء وبين ما وجدناه في الكتب القديمة والحديثة عنهم . فالصّاحب ابن عبّاد ( ت عام 385 ) أشادت المراجع بخصاله ونبله ، فقد قال فيه ابن خلّكان في كتابه وفيات الأعيان : « كان نادرةَ الدّهر وأعجوبةَ العصر في فضائله ومكارمه وكرمه . » ( ابن خلّكان 1 : 228 ) . وقال فيه الثّعالبي في يتيمة الدهر : « ليست تحضُرُني عبارةٌ أرضاها للإفْصاحِ عن عُلوّ محلّه في العلم والأدب وجَلال شأنه في الجود والكرم وتفرُّدِهِ بالغايات في المحاسن وجمعه أشتاتِ المفاخر ، لأنّ همّةَ قولي تَنخفضُ عن بلوغ أدْنَى فَضائله ومعاليه . » ( الثعالبي 1 : 230 ) . ونقل آدم متز صورة عن خبر موته فقال : « ولمّا مات الصّاحبُ عمل له ما يعمل للملوك ، فحضر جنازتَهُ مخدومُهُ فخرُ الدّولة وجميعُ أعيان المملكة وقد غيّروا لباسَهم ، فلمّا خرج نعشُهُ صاح الناسُ صيحةً واحدةً وقبّلوا الأرضَ لنعشه ومَشى فخرُالدولة أمامَه وقَعدَ للعزاء أيّاماً . » ( متز 1 : 197 ) . فأين هذه الصورة المادحة لخصال الصّاحب ابن عبّاد من قول أبي حيّان فيه :
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 262 | مهدي عابدي