وليست البلاغة صيغة الأدب المجرّد ، بل هي صيغة أىّ عمل حتّى ولو كان إدارياً أو تجارياً أو سياسياً وأبوحيّان يبيّن ذلك وهو يتحدّث عن كتابة الدّواوين ، ديوان المال وديوان الضّرب وديوان الشّرطة والمظالم . ( المصدر نفسه 1 : 99 ) .
ويقول : « لابُدَّ لإنشاء رسائل وكتب هذه الدَّواوين من أسلوبٍ بليغٍ » ( المصدر نفسه 100 : 1 ) .
« لأنّ مدارَ المال ودُرورَه وزيادتَه ووُفورَه على هذه الدّواوين التي إمّا يكون حظّ البلاغة فيها أكثر وإمّا يكون أثرَ الحساب فيها أظهر ، فعلى جميع الأحوال لا يكون الكتابُ كاملًا ولا لاسمه مستحقّاً إلّا بعد أن ينهض بهذه الأثقال ويجمع إليها أصولًا من الفقه وآياتٍ من القرآن مضمومةً إلى سَعَته فيها وأخباراً كثيرة في فنون شتّى مع الأمثال السائرة والأبيات النّادرة والفِقَر البديعة والتجارب المعهودة . . . مع خطّ كتِبر مسبوكٍ ولفظٍ كوَشْي مَحُوك ولهذا عزّ الكامل في هذه الصناعة . . . » ( المصدر نفسه ) .
وقد بيّن التوحيدي رأيه في سوء منزلة المفكّر معنوياً ومادياً في المجتمع ، فعرض بكلّ رجل سياسة أهان عالماً أو أديباً واعتبر هذا الفعل نقيصة سياسية كُبرى .
لقد وصف المؤلف إساءة الصّاحب ابن عبّاد إلى المفكّرين وتعصّبه على أهل الحكمة وإهانته للشّعراء يوم العيد ، إحتقاراً لهم وإعتداداً بنفسه وأدبه وكان في غضون ذلك الوصف يُزري به وبعلمه وأدبه ويصوّره تصويراً ماسخاً في قوله : « وهو في كلّ ذلك يَتَشاكى ويتحايَل ، ويَلوي شِدقَه ، ويبتلع ريقَه ، ويردّ كالآخذ ، ويأخذ كالمُتمنّع ، ويغضب في عرض الرّضا ، ويرضى في لَبوس الغَضَب ، ويتهالك ويتمَالك ، ويتقابَل ويتمايَل ، ويُحاكي المُومِسات ، ويخرج في أصحاب السِّماجات ، ومع هذا كلّه يظنّ أنّ هذا خافٍ على نُقّاد الأخلاق وجَهابَذَةِ الأحوال » ( المصدر نفسه 1 : 59 ) .
فهل من قذع ألذع من هذه الصورة المشوّهة لكل المعالم الخُلقية والخَلقية للصاحب ابن عبّاد ؟ !
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 251
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٥١