« وقد كان هذا الباب يُتنافس فيه أوَانَ كان للخلافة بَهْجة ، وللنّيابة عنها بَهاء ، وللدّيانة مُعتقِد وللمُرُوءة عاشق ، وللخير مُنتهِز ، وللصِّدق مُؤْثِر ، وللأدب شُرَاة ، وللبيان سُوقٌ ، وللصّواب طالبٌ ، وفي العلم راغبٌ » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
أليس هذا التحليل عجيباً من أبي حيّان ؟ فقد عرف العصر نهضة علمية مشهودة أعطانا كتاب الإمتاع والمؤانسة صورة واضحة عنها . إلا أنّ عين الكاتب صارت سوداء لا ترى في المجتمع إلّا الشرّ والفساد .
نري إذن بعد تحليل خصائص الحياة الفكرية :
- أنّ المجتمع شهد حركة فكرية متنوّعة وثريّة كان للعلوم والأدب والفلسفة وغيرها حظّها الوافر من العناية والاهتمام .
- ثمّ إنّ هذه الحركة قد تأثّرت بما كان عليه الناس من تمزّق واختلافات مذهبية فجاءت تعبّر عن ذلك عبر كثرة الجدل الذي قام حول عدّة مشاكل فكرية ( الفلسفة والشريعة والحساب والأدب والخير والشرّ ) إلّا أنّ هذا الجدل لا يعبّر عن فساد فكري ، بل بالعكس فهو يعبّر عن أن المجمتع كان يعيش حركة ثقافية عظيمة .
ولكنّ الشئ الذي كان يشين هذه الحركة هي المهانة الأدبية والمعنوية التي كان عليها عدد هامّ من الأدباء والعلماء .
ونؤكّد بعد تحليل مواقف أبي حيّان من الحياة الفكرية لعصره أنّها مواقف دلّت على تفاعله التامّ مع ما كان يجري بالمجتمع من حركة فكرية .
وانّها قد ركّزت على خطّ فكريّ واضح وهو التّمسك بقيم الأصالة في الثقافة العربية الاسلامية ، وإنّ قبول الآراء الفلسفية الجديدة أو غيرها يجب أن لا يحطّم أسس الفكر العربي الاسلامي من أدب ونحو وخاصّةً الشّريعة .
ونتيجه لهذه المواقف فإنّنا نعتبر التوحيدي مفكّراً تقليدياً ، إذ أنّ معارفه أدبية أكثر منها علمية وهو في تعليله لأسباب سوء منزلة المفكّر كذلك أيضاً وهو تقليديّ أيضاً في موقفه من المتكلّمين
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 254
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٥٤