إذن تقوم نظرة التوحيدي إلى البلاغة على ضرورة التوفيق بين اللفظ والمعنى مع اللجوء إلى الصنعة التي لا تفسد الكلام وتعمّيه وهذا الموقف يجعل التوحيدي في خصومة أدبية مع أصحاب مدرسة أخرى عرفت « بمدرسه الصّنعة أو البديع » وهي تهتمّ أساساً بالاعتناء الشديد بتنميق الأسلوب وتزيينه ، فتعمد إلى مختلف ضروب المحسّنات البلاغية وتنمّق بها الأسلوب ورائد هذه المدرسة هو بلا شكّ بديع الزمان الهمذاني ( ت عام 398 ) .
عاش أبوحيّان في عصر أدبي غلبت عليه الجمالية اللفظيّة والبديعة والزخرفة كما يبدو ذلك في أسلوب ابن عبّاد والحريري والخوارزمي من معاصريه ، على أنّ أباحيّان سلك مسلك الثقافة الرصينة العميقة والتجأ إلى الفنّ في الكلام معبّراً عن أصدق ما تختلج به نفسه ويحلق خياله ، فكان له أسلوب منفرد أصبح ظاهرة مستقلّة انضمّت إلى أسلوب أمثاله من بعض أدباء زمانه من أمثال مسكويه والصّابي وقد ترعرعت هذه الظاهرة بهدى آثار الجاحظ وأسلوبه ولكن فساد الذّوق الجمالي الشائع منع أكثر النّاس من إدراك أهمية أبي حيّان البلاغية الفنيّة واستمرّ جهل الناس به وإغفال أهميّة أسلوبه وفنّيته في الكتابة والرواية حتى عهد قريب .
كم يقول المستشرق « آدم متز » في كتابه ( الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ) بمعرض الحديث عن الأسلوب البديعي في ذلك القرن : « وقد بلغ ابوحيّان مرتبة الأستاذية لهذه الطريقة وأوّل ما نلاحظه أنّه كان عالماً بدقائق الأسلوب الرائع قادراً عليه ، غير أنّنا نكاد لا نلاحظ في أسلوبه ذلك التكلّف الذي نجده عند غيره من الأدباء ، ولم يكتب في النّثر العربي بعد أبي حيّان ما هو أسهل وأقوى وأشدّ تعبيراً عن شخصية صاحبه ممّا كتبه أبوحيّان ولكن الجمهور كان يميل إلى طريقة الآخرين في البديع .
ولقد كان أبوحيّان فنّاناً غريباً بين أهل عصره وكان يعاني وحشة من يرتفع عن أهل زمانه ويتقدّم عليهم . » ( متز 1 : 395 ) .
ويرى محمّد كرد علي في تصوير أبي حيّان الإبداعي : « ما تقف عنده العقول حائرة إذ أضحت اللّغة على يده مرنة مرونة العجين في يد المصوّر الحاذق . » ( كرد علي 2 : 193 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 249
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٤٩