ووجَدْتُ أربابَ هذه الصِّناعات ( الهندسةَ والطبّ والحسابَ والموسيقى وغيره ) مُعرضينَ عن تجشُّم هذه الغاياتِ ، بل وجدتُهُم تاركين الإلمامَ بهذه الحانات . » ( المصدر نفسه 3 : 135 ) .
لذا فنحن نؤكّد أنّ أباحيّان يرفض كلّ ما لم يوافق الشريعة وذلك هو الخطّ الفكري الدينيّ الذي بنى على أساسه كلّ مواقفه .
إنّه يعتبر أنّ معرفه أسرار العالم العلوىّ بالحسّ والعقل أمرٌ مستحيل ، لذا عاب على بعض المفكّرين أو العلماء انسياقهم إلى مغريات الطبيعة فقال : « ولله في طيّ هذا العالم العلويّ أسرارٌ وخفايا وغُيوب ومكامنُ لا قوّة لأحدٍ من البشر بالحسّ ولا بالعقل أن يقوم ويبلغ عمقَها أو يُدرك كَنهَها ومن تصرّف عَرفَ ومن عرف سَلمَ » ( المصدر نفسه 2 : 40 ) .
إنّ أباحيّان قد عجّز في هذا القول الحسّ والعقل عن إدراك كنه الغيب وهو موقف هامّ يذكرنا بموقف المتصوّفين من مشكلة المعرفة وبقولهم إنّ الغيب يدرك بالحسّ والوجدان . لكن أليس التوحيدي متصوّفاً ؟ فلا غرابة أن يكون له هذا الموقف .
وهناك بعض المشاكل الفكريةلم يتّخذ منها المؤلف موقفاً واضحا كمشكلة الجبر والقدر التي اكتفى فيها بعرض موقفيْن متباينيْن دون أن يحدّد موقفه بوضوح ونقل عن أبي سليمان في الفرق بين القضاء والقدر قوله : « إنّ القضاءَ مصدرُهُ من العلم السّابق والقدر مَوردُه بالأجزاء الحادثة . » ( المصدر نفسه 1 : 224 ) .
وقد تحدّث التوحيدي عن البلاغة فكشف لنا ذوقه الأدبي ، فهو في ما يبدو ينفر من التعقيد اللّفظي والأسلوبي ويحبّذ التّعبير الواضح في مختلف فنون الأدب : فبلاغة الشعر تكمن في خلوّه من الكلمات الغريبة وفي وضوح معانيه وكذلك بلاغة الخطابة في سهولة العبارة ، أمّا بلاغة النّثر فهي في يسر اللفظ ووضوح المعني . ( المصدر نفسه 2 : 141 ) وقد لخّص كل هذه المعاني في قوله : « في الجملة أحسنُ الكلام ما رقَّ لفظُهُ ولَطُف معناهُ وتلألأَ رونَقُه وقامت صورتُه بين نظمٍ كأنّه نثر ونثرٍ كأنّه نظم . » ( المصدر نفسه 2 : 145 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 248
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٤٨