ومثلما أهان الصّاحب الأدباء واحتقرهم ومن هؤلاء الأدباء التوحيدي طبعاً ، كان ردّ فعل صاحب الإمتاع مماثلًا فاحتقره واحتقر أدبه ولم يكتف بذلك ؛ فدعم موقفه هذا بشهادات كثيرة لنقّاد الأدب في عصره منها شهادة رجل يسمّى أحمد بن محمّد استعرض فيها كلّ نقائص الصّاحب الأدبية ومن أهمّها شغفه بالغريب من الكلمات وذهابه مع اللّفظ دون المعنى وإلفة الرّسوم الفاسدة في قوله :
« فأوّل ما بُلى به أنّه فقد الطبعَ ، وهو العمود ، والثّاني العادة وهي المؤاتية « 1 » ، والثّالث الشغَفُ بالجاسي « 2 » من اللّفظِ وهو الإختيارٌ الرَّديء ، والرابع تتبّع الوحشيّ ، وهو الضّلال المبين ، والخامس الذّهاب مع اللّفظ دون المعنى ، والسّادسُ استكراهُ المقصود مِن المعنى . . . والتّاسع قلّةُ الاتّعاظِ بما كان - للثّقة الواقعة في النفس - من الفائتِ ، والعاشرُ تَنفيقُ المتاع بالاقتدار في سُوق العِزّ ، وهذه كلّها سُبُل الضَّلالة ، وطُرُق الجَهَالة » ( المصدر نفسه 64 : 1 - 65 ) .
وختم التوحيدي موقفه من الصّاحب بالقول : « ولوجرت الأمورُ على موضوع الرأي وقضيّة العقل ، لكان معلِّماً في مصطبة على شارع ، أو في دار ، فإنّه يخرِّج الإنسان بتفَيْهُقِه وتشادُقه ، واستحقارِهِ واستكباره ، وإعادِته وإبدائه ، وهذه أشكال تُعجِب الصِّبيان ولا تنفّرهم من المعلّمين ، ويكون فرحُهم بها سبباً للملازمة والحرصِ على التعلّم والحفظ والرّواية والدّراسة . » ( المصدر نفسه 1 : 70 ) .
فنلاحظ إذاً أنّ ردّ التوحيدي كان عنيفاً على قدر الإساءة التي تعرّض لها هو وغيره من الأدباء ، وفي ذلك الدّليل الواضح على رفض المهانة للمفكّرين .
هامش
( 1 ) - المؤاتية : أي المساعدة المعينة .
( 2 ) - الجاسي : الجافّ الصلب .