ولقائل أن يدّعي أنّ موقف أبي حيّان من الصّاحب ليس غيرة على المفكّرين بقدر ما هو ردّ فعل ذاتيّ ، لكنّنا نقول هذا صحيح بلا شكّ ، فالدّافع الذاتيّ واضح في موقفه . لكنّه ليس هو الدافع الوحيد بدليل موقفه من المهلّبي وهو وزير أساء اليه وكان أوّل من اتّهم التوحيدي في دينه .
فقد بيّن حسن اصطناعه للرّجال إذ قرّب إليه عدداً كبيراً من المفكّرين من أهمّهم أبو حامد وأبو سعيد السيرافي وابن درستويه وابن البقّال والسرّي ومن لا يحصى كثرة من التجّار والعدول وقد « نوّه بهم ونبّه على فضلهم وأحوج الناظرين في أمر المُلك إليهم وإلى كفايتهم » ( نفس المصدر 3 : 213 ) .
ثم أضاف قول ابن سورين في وصف المهلّبي قائلًا :
« كان أبو محمد ( المهلبّي ) يطرَبُ على اصطناع الرّجال كما يَطرَبُ سامِعُ الغِناء على الشَّبابير « 1 » ويَرتاحُ كما يَرتاحُ مُدير الكأس على العَشائر وقال عنه : إنه قال : والله لأكوننَّ في دولة الدِّيلم أوّل من يُذكَرُ ، إن فاتني أن كُنتُ في دولة بني العبّاس آخِرَ من يُذكَر . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
وهكذا يتبيّن لنا أنّ اباحيّان يقدّر من الرّجال الذين يقدّرون للمفكّرين فضلهم ويقدّمونهم على غيرهم اعترافاً بمكانتهم العلمية .
وأحدثت الخصاصة المادّية التي كان عليها المفكّرون في نفس أبي حيّان شعوراً بالألم فأطال في تصوير فقر أبي سليمان السجستاني ، كما صوّر فقر وهب بن يعيش اليهودي « وأورث هذا الشّعورُ إعراضاً عن الأدب وانشغالًا بالبحث عن الرِّزق . » ( المصدر نفسه 2 : 143 ) .
وفسّر التوحيدي سوء منزلة المفكّر بتردّى الأحوال السياسية والاجتماعية والأخلاقية في المجتمع فقال :
هامش
( 1 ) - الشبابير : جمع شبّور وهو من آلات الموسيقي .