يضع أبوحيّان شرطاً أساسياً لبلاغة النصّ وهو سلاسة الطّبع قائلًا : « ومن استشار الرأيَ في هذة الصِّناعة الشريفة علمَ أنه إلى سلاسة الطّبع أحوجُ منه إلى مغالبة اللّفظ الحرّ ؛ فإنّه متي فاتَهُ اللفظُ الحرّ ، لم يظفر بالمعنى الحرّ ، لأنه متى نظم معنىً حرّاً ولفظاً عبداً أو معنىً عبداً ولفظاً حرّاً فقد جمع بين متنافريْن بالجوهر ومتناقضيْن بالعنصر . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 140 ) .
ويؤكّد أبو حيان التوحيدي على لسان ابن المعتزّ ضرورة التّجويد في اللّفظ والمعنى و « أنّ فنّ الكتابةَ لايكتمل ما لم يجتمع اللّفظ الجيّد بالمعنى الجيد ، لما أدّى المعنى إلى القلب في حسن صورة اللفظ » ( المصدر نفسه ) .
على أنّ سلاسة الطّبع لا تعنى التلقائية العفوية ، بل لابدّ من ثقافة ودراية لجميع القواعد والأصول . البلاغة هي « الصّدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف وإصابة اللغة وتحرّي الملاحة المشاكلة برفْضِ الإستكراه ومجانبة التعسُّف . » ( التوحيدي ، المقابسات 293 ) .
وعماد أبي حيّان القرآن كريم ، فهو معجزة البلاغة العربية ولقد أضاف إلي العربية رصيداً تقوّي به بلاغتها ، فقد نزل القرآن بلسان عربيّ مبين .
ثمّ يعود أبوحيّان ليضع شروطاً لبلاغة النصّ وفنّيته « فهو مركّب من اللّفظ اللغويّ والصّوغ الطّباعي والتأليف الصّناعي والاستعمال الاصطلاحي » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 9 : 1 ) .
فالشّرط الأوّل : هو اللغة الجيّدة أي المعلومات التقنية والنظرية للعمل الإنشائي .
والشرط الثّاني : هو سلاسة الطبع وقوّة البديهة والخيال أو المقدرة الإبداعية .
والشرط الثّالث : هو المقدرة على الصياغة والتأليف والمهارة في تمثيل البديهة والخيال والشرط الرابع هو الاستعمال الاصطلاحي .
هنا يبدو أبوحيّان وقد وضع شروطاً أخرى إلى جانب الموهبة والإلهام وهي الصنعة والتقنية فهو إذا حذر من الصنعة فلكي لا تكون هي الغالبة فيعلو التذويق والزّخرفة على المعنى الذي تقدّمه النفس ولكن قوله في أفضلية سلاسة الطّبع ، لا يعني التسرّع والارتجال فإنّ : « من يَردُ عليه كتابَك فليس يَعلمُ أسرعتَ فيه أم أبْطأتَ وإنّما يَنظُر أصَبتَ فيه أم أخطأتَ وأحسنتَ أم أسأتَ ، فإبطاؤك غيرُ إصابتك ، كما أنَّ إسراعَك غير مُعَفٍ على غَلَطِك . » ( المصدر نفسه 1 : 65 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 250
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٥٠