الشُّبهة أسلمُ من الصّدرِ المحشوِّ بالشكِّ والرّيبة ولم يأت الجدلُ بخيرٍ قطُّ . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 142 ) .
وإنّ موقفه من الصّراع القائم بين الفلاسفة وأنصار الشريعة يتنزّل إلى مستوى الخطّ الفكري تقريباً ، فالفلاسفة أهل نظر أيضاً ، اعتمدوا على العقل كمقياس أساسّي في تحليل الأشياء واتّخذوا من المنطق والقياس أبرز وسيلتين عقليتين للاحتجاج بهما على مختلف الآراء والأفكار ، قفد وقف من إخوان الصّفا في مذهبهم للتّوفيق بين الفلسفة والشريعة موقفاً معارضاً مبيّناً أنّ الخطأ في رسائلهم قد غلب الصّواب فقال : « قد رأيتُ جملةً منها وهي مبثوثةً من كلّ فنٍّ نُتَفاً بلا إشباعٍ ولا كِفاية وفيها خُرافاتٌ وكِنايات وتَلفيقاتٌ وتلزيقاتٌ وقد غَرَقَ الصّوابُ فيها لغَلَبة الخطأِ عليها . » ( المصدر نفسه 2 : 5 - 6 ) .
ثمّ يناقض أبوحيّان قوله المنصرم قائلًا :
« إنّما جمعنا بين الفَلسفة والشَّريعة لأنّ الفلسفة معتَرِفَةٌ بالشّريعة وإن كانت الشريعةُ جاحدةً لها ، وإنّما جمعنا أيضاً بينهما لأنّ الشريعةَ عامّة والفلسفةَ خاصّة والعامّةُ قِوامُها بالخاصّة ، كما أنّ الخاصّة تمامُها بالعامّة وهما متطابقان أحدهما على الأخرى ، لأنّها كالظِّهارة التي لابدّ لها من البِطانة وكالبِطانة التي لابدّ لها من الظِّهارة » ( المصدر نفسه 2 : 12 ) .
وأبوحيّان يعتبر أنّ الفلاسفة الذين يأخذ عنهم زيد بن رفاعة مؤسس الجمعية ( إخوان الصفا ) مثل أرسطو طاليس وأفلاطون وسقراط : « رهطُ الكفرِ ذكروا في كتبهم حديثَ الظاهر والباطن وإنّما هذا من نَسج القَدّاحين في الإسلام ، السّاترين على أنفسهم ما هم فيه من التُّهَم » ( المصدر نفسه 2 : 16 ) ونراه في موضع آخر يقول :
« وأنا أعوذ بالله من صِناعةٍ لا تُحَقِّق التّوحيد ولا تدلّ على الواحد ولا تدعُو إلى عبادته والاعترافِ بوحدانيّته والقيامِ بحُقُوقه والمصير إلى كنَفِهِ والصّبرِ على قضائه والتسليم لأمره
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 247
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٤٧