تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
إنّ كتابات التوحيدي هي صدىً لهذا العصر « فالإمتاع والمؤانسة ، تسجيل لمجلس ثقافي يعبّر عن مجالس العصر ومثالب الوزيرين تسجيل لأخلاق بعض وزراء العصر وأموره السياسية وكذلك المقابسات الذي يسجّل لنا مجلساً فكرياً لنخبة من أفضل مفكري العصر وهكذا . » ( إبراهيم 5 - 13 ) ترعرع التوحيدي في حقبة صارت وحدة الإمبراطورية الاسلامية فيه إلى فُرقة وجمعها إلى شتات وجسمها إلى أشلاء وقوّتها إلى ضعف . ومن الحقّ أن نقول إنّ هذه الأبيات التي ذكرها أبوحيّان التوحيدي عن علويّ بالكوفة ما يشعر بالخطر الدّاهم الذي غفل عنه العباسيون بل تغافلوا عنه ، لأنّ همّهم الأول والأخير لم يكن سياسة البلاد وتدبير أمور العباد ، بل أن يحيطوا أنفسهم بألوان التّرف والمتعة ومصادر اللّذة والنّشوة وجماع ما يهيأ لهم راحة العيش ورغد البال وهدوء الخاطر . قال هذا العلويّ :
« أرَي ناراً تَشُبُّ عَلى يَفاعِ * لَها فِي كُلِّ ناحيةٍ شُعاعُ وَقَدْ رَقَدَت بَنوالعبّاسِ عَنْها * وَنامَتْ وَهىَ آمنةٌ رَتاعُ كَمَا رَقَدَت أمَيّةُ ثُمَّ هَبَّتْ * لِتَدفَعَ حينَ ليسَ لها دِفاعُ »
( التوحيدي ، البصائر والذخائر 129 ) بدأ الضعف السياسي ونفوذ الخليفة العباسي يظهر منذ تولّى المتوكل الخلافة سنة 232 : ه فمنذ تولية الحكم بدأ نجم العباسيين بالأفول لأنّه قرّب الترك اليه وآثرهم على الفرس وكان سنّياً غالياً في مذهبه مبغضاً للشّيعة ومعلوم أنّ أكثر الفرس شيعة . ولم يكن يدور بخَلَده أنّ خدمة الأتراك الّذين ناصرهم على الفرس ستشكّل المشكلة الكبرى في حكومته وستكون العقبة الكؤود في سبيل الوحدة والإتّفاق وستكون السبب الأوّل في الإطاحة بعرشه على يد هؤلاء الأتراك أنفسهم وهذا ما حدث كما يذكر لنا التاريخ . « فقد سلبوه سلطانه ولم يجد من الفرس من يؤازره أو يدفع عنه وانتهي بهم الأمر إلى أن تآمروا مع ابنه المنتصر على قتله وقتلوه سنة 247 : ه . » ( الطقطقي 215 )
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 22 | مهدي عابدي