تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
ومند ذلك الوقت تفاقم شرّهم وعظُم بلاؤهم وصار من المألوف أن يستعين القوّاد الترك بالابن على أبيه وبالأخ على أخيه فاستكثروا الخلفاء وجعلوا أولياء عهودهم منهم ، ليتعزّزوا بهم وليتّخذوهم عيوناً لهم ، حتى شرقت بهم بغداد ، لأنّهم « لم يكونوا إلّا معاولَ للتّخريب والتلاعب بسادتهم ، لأنّهم منذ قتلوا المتوكّلَ صار الخلفاء بأيديهم كالأسرَى ، إن شاؤوا أحيوهُم وإن أرادوا خَلَعُوهم وإن رغبوا قَتَلوهم . » ( الطقطقي 220 ) « ولمّا تولّى المعتزّ أحضر أصدقاؤه المنجّمين وسألوهم : كم يبقى في الخلافة ؟ وكم يعيشُ ؟ فقال أحد الظُّرفاء - وكان بالمجلس - : أنا أعرف من هؤلاء بمقدار خلافته وعمره . قالوا : فكم تقول ؟ قال : ما أراد الأتراك بقاءه بقي ، فضحك كلّ من كانوا بالمجلس . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . في ذلك القرن كان نفوذ الأجناد من الترك قد ازداد قوةً وكانت سلطة الخلفاء قد تفاقمت ضعفاً ونظر الولاة إلى ضعف الخلفاء ، فطمعوا في الاستقلال بما تحت أيديهم من ولايات وقد تجلّت الحركات الإنفصالية مند عهد الخليفة الراضي بالله فهو آخر خليفة إستقلّ بالحكم وهو أوّل خليفه انفلت السّلطان من يده . « وفي أيّامه سلبَ الأتراك السلطةَ كلَّها واستولى الأعاجمُ وأربابُ السيف والأمراءُ على الدّولة وجبوا الأموالَ وكفّوا يدَ الخليفة وقدّروا له يسيراً من المال . » ( المصدر نفسه 254 ) وفي عهده تمزّقت الخلافة إلى دويلات : فاستولى ابن رائق على البصرة وواسط واستقلّ بنو بويه بفارس والريّ والجبل وأصبهان وانفرد الديلم بطبرستان وجرجان وكرمان وقامت الدولة السامانية في خراسان وما وراء النهر ، ثمّ خلفتها الغزنوية بالهند وأفغانستان واستقلّ الإخشيديون بمصر والشام ثمّ خلّفهم الفاطميّون وصارت اليمامة والبحرين بيد القرامطة . . . واستقلّ عبد الرحمن الناصر بالأندلس . وإذن فلم يبقَ للخليفة العباسي إلّا بغداد وملحقاتها . ( مسكويه 5 : 553 ، ابن أثير 8 : 241 ، ابن الفداء 2 : 398 ؛ الطقطقي 252 ) .