تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وبلغ سخط التّوحيدي على المتكلّمين حدّاً جعله يخرج عن رصانة المفكّر فأخذ يدعو عليهم قائلًا : « جذّ الله عروقَهم واستأصل شأفتَهم وأراح العباد والبلاد منهم . . . وأرجو ألّا أخرج من الدّنيا حتى أرى بنيانَهم مُتضعضعاً وساكنه متجعجعاً « 1 » » ( المصدر نفسه 1 : 142 ) . وناقش ابوحيّان ابن البقّال وهو أحد المتكلّمين يتكافؤ الأدلّة أي الأدلة على الخير والأدلة على الشرّ وظهرت من خلال هذه المناقشة معارضة المؤلّف لهذا القول لأنّه يعتقد « أنّ الباطل لا يقاوِمُ الحقَّ والحقَّ لا يتشبّه بالباطل ( فلا أحكَمَ علي الأدلّة بالتكافُؤ ) » ( المصدر نفسه 3 : 191 ) . إنّ لرأي التوحيدي في علم الكلام أهميّة كبرى في فهم اتّجاهه الفكريّ الدينيّ فهو بهذا الموقف اعترض على أبرز تيّار في القرن الرابع أقام التفكير على أساس عقليّ وفتح باب الإجتهاد واسعاً ، وانطلاقاً من هذا الموقف فانّنا نعتبر أباحيّان سنّياً . كان للمعتزلة الفضل الأكبر في إرساء علم الكلام ، لأنّهم كانوا أرشد المدافعين عن الإسلام في مقابلة أعدائه من اليهود والنصارى والوثنيّين ، حتّى لقد كانوا فيما رُوِى يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لردّ هذا الهجوم ردّاً عقلياً . وكانت المسائل الكلامية تدور بين الفِرق الخمس التي شاعت في هذا القرن وهى أهل السنّة والمعتزلة والمرجئة والخوارج والشيعة وكانت كلّ فرقة من هذه الفرق تنقسم إلى طوائف قد تختلف فيما بينها كثيراً أو قليلًا . . . وأضافوا إلى المسائل الأولى التي كانت تثار مسألة الإمامة وربّما كان للشيعة أكبر دخل في ذلك لأنهم كان لهم منهج خاص يخالف مذهب أهل السنّة وكان عدوّهم اللّدود أهل السنّة . . . ( أنظر : أمين ، ظهر الإسلام 2 : 287 - 289 ) . اعترف أبوحيّان بتفضيل أهل الحديث والأثر على أصحاب الكلام وذلك في قوله : « ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصارِ الأثر مزيةٌ على أصحابِ الكلام وأهل النظر ؛ والقلبُ الخالي من
هامش
( 1 ) - متجعجعاً : ضارباً بنفسه الأرض من وجع .