المُلْك عليه وهو علمٌ « الحاجة إليه عامّة للكبار والصّغار » ( المصدر نفسه 1 : 102 ) . لكن فضائله تأتي بعد البلاغة طبعاً وكان موقف التوحيدي موضوعياً أكثر من موقف ابن عبيد ، إذ إنّه بيّن أنّ الحاجة إلى الصّناعتين ضرورية وهما علمان متكاملان .
إنّ هذه المواقف تدلّ على أنّ أباحيّان لم يكن واسع الاطلاع على ما نسمّيه اليوم « بالعلوم الصحيحة » فعلم النّجوم مثلًا قد شهد إزدهاراً كبيراً في القرن الرابع وكذلك الكيمياء .
وكان اشتغال العلماء آنذاك بتحويل المعادن إلى ذهب سبباً في وقوفهم على كثير من الموادّ الكيمياوية ، فاستحضروا ماء الفضّة المسمّى حامض النتريك وزيت الزّاج المسمّى حامض الكبريتيك وغير ذلك من المركّبات والعناصر واكتشفوا مادة إذا طُلىَ بها الخشب لم يحترق وعرفوا التّرشيح والتقطير والتّصعيد والبلورة والتذويب . . . ( أمين ، ظهر الاسلام 387 : 2 ) .
ومن أبرز العلوم التي وقف منها أبوحيّان موقفاً شديداً ( علم الكلام ) الذي انتشر في ذلك العصر وذاع صيتُه وتعدّدت مدارسه فقد عارض المؤلف المتكلّمين أعنف معارضة وبيّن نتائج طريقتهم في البحث والجدل فهي لا تفضى في رأيه إلّا إلى الشكّ والارتياب لهذا فقد كفّر أهل الكلام بقوله :
« من طَلبَ الدّينَ بالكلام ألحَدَ ومن تتبَّعَ غَرائبَ الحديث كَذبَ . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 142 ) وبيّن قلّة ورعهم قائلًا : « ولم أرَ متكلّماً في مدّة عُمره بكى خشيةً أو دمعت عينُه خوفاً أو أقلَعَ عن كبيرةٍ رغبةً يتناظرون مُستهزِئين ويتحاسدون متعصِّبين ويتلاقَون متخادِعين ويصنِّفُون متحاملين ، . . . فقد عظُمت البلوى بهم وعظُمت آفتُهم على صغار الناس وكبارهم . » ( المصدر نفسه ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 245
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٤٥