« فالنّقصُ قد دخَلَه والخللُ قد شَمِلَه وليس يجب أن يوهَبَ له زمانٌ عزيزٌ ، فَوَراءه ما هو أهمُّ منه وأجدرُ وأرشدُ وأهدَى » ( المصدر نفسه 1 : 40 ) .
وأبدى التّوحيدي رأيه في الكيمياء وفي توهّم بعض العلماء أنهم قادرون على تغيّر المعادن إلى ذهب أو فضّة ولم يظهر موقفه تامّ الوضوح ، لكنّه ميّال إلى تكذيب الادعاء ومن أدلة ذلك أنه استعمل فعل « زعم » عند عرض آراء القائلين إنّ الكيمياء تغيّر المعادن إلى ذهب وفضّة : « أمّا يحيى بنُ عَدِي - وهو أستاذُ هذه الجماعة - فكان في إصبَعِهِ خاتمٌ من فضّة يزعُمُ أنّ فضّتَه عُمِلَت بين يديه وأنّهُ شاهَدَ عملَها عِياناً وأنه لايَشُكُّ في ذلك . » ( المصدر نفسه 2 : 38 ) .
وأضاف قوله : « وأمّا مِسْكوَيه - فيزعُمُ أنّ الأمر حقٌّ وصحيحٌ والطبيعةُ لا تمنع من إعطائِهِ . . . ولكنَّ الصِّناعةَ شاقّة والطّريقَ إلى إصابة المقدار عَسِرَة . . . » ( المصدر نفسه 2 : 39 ) .
وممّا يدعم شكّ التوحيدي مقارنته بين فعل الطبيعة وفعل الصّناعة ، فبيّن أنّ الطبيعة فوق الصناعة لأنها إلهية والأخرى بشريّة ولمّا كانت المعادن من صنع الطبيعة فمن المستحيل على الإنسان أن يضاهيها في أفعالها وأقصى ما يمكن أن ينجز هو صنع شيء :
« كأنّه ذهبٌ أو فضّةٌ وليس هو في الحقيقة ، لا ذهبٌ ولا فضّةٌ . . . والأمور مَوزونةٌ والصِّناعات متناهيةٌ فإن أدُّعِىَ في شيء من الصّناعة ما يزيد حتى تكون كأنّها الطّبيعة ، أُحْتِيجَ إلى برهان واضحٍ وإلى عِيانٍ مصرِّح . » ( المصدر نفسه 2 : 39 - 40 ) .
لكن موقفه لا يبقى ثابتاً كلّ الثّبات عند قوله : « والخوضُ في هذا الطَّرَف قديمٌ وفَصْلُه في الحقّ شاقٌّ والتّنازُعُ فيه قائم والظنُّ يعمَلُ عمَلَه واليقين غيرُ مظفورٍ به ولا موصولٍ إليه والطَّبيعةُ قد أولَعَت الناسَ بادِّعاء الغَرائب وبعثَتْهُم على نُصرتها بالوَفْق والخَرْق . » ( المصدر نفسه 2 : 40 ) .
وكذلك تحدّث التوحيدي عن علم الحساب وبيّن موقفه منه ، عندما حاور ابن عبيد الكاتب حول أيّهما أجدى ؛ علم الحساب أم علم البلاغة والإنشاء ؟ وهو لئن بيّن فضل البلاغة على الحساب فإنّ ذلك لا يعني في نظره أنّ الحساب علم حقير ، بل بالعكس فهو علم هامّ يقوم مدار
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 244
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٤٤