وأعمق أثر لهذه المنزلة السيّئة هو عدم اطمئنان المفكّرين إلى المستقبل فأقبلوا على تدبير الأموال توقّياً للمستقبل مثل ابن زرعة الذي « كان مهتمّاً بالتّجارة حريصاً على الجمع ، شديد المنع » ( المصدر نفسه 1 : 33 ) وابن السّمح الذي كان « مأسورَ العَقل يأخذ الدّانق والقيراطَ والحبّة والطَّسّوج والفَلْس بالصّرف والوزن والتَّطفيف » ( المصدر نفسه 1 : 34 ) . وغيرهما ممّن ذكرهم التّوحيدي في كتابه ومن الأسباب التي جعلت منزلة المفكّرين تسوء في المجتمع ، ما كان بينهم من تحاسد للإستئثار بمقام وقرابة عند الوزراء وقد تحدّث أبوحيّان في هذا الموضوع قائلًا :
« وقلّ مَن يجهَدُ جُهْدَه في التقرُّب إلي رئيسٍ أو وزير ، إلّا جَدَّ في إبعاده عن مَرامِه كلُّ صغيرٍ وكبير ، هذا لأنّ الزَّمانَ قد استحالَ عَن المعهود وجَفا عن القيام بوظائف الدّيانات وعاداتِ أهل المروءَات . . . » ( المصدر نفسه 2 : 1 - 2 ) .
4 - 1 - 2 - مواقف أبي حيّان إزاء سمات الحياة الفكرية :
إنّ مواقف أبي حيّان التوحيدي من مختلف القضايا الفكرية واضحة وصريحة ، ولا غرابة في ذلك ، فلئن تفاعل المؤلّف مع الأحوال السياسية والاجتماعية فمن الطّبيعي أن يتفاعل مع المشاكل الفكرية والثّقافية وهو الأديب الذي لعب دوراً كبيراً في مجتمعه .
وقد اهتمّت هذه المواقف ببعض علوم العصر وبالصّراع الفكري داخل المجتمع وبالفِرَق الدينية كما اهتمّت أيضاً ببعض القضايا الماورائية والمتافيزيقية وبمنزلة المفكر في المجتمع .
فقد سأل ابن سعدان ، أباحيّان مرةً عن رأيه في النّجوم وأحكامها ، فأجابه أنّ هذا العلم صعب وغامضٌ ولا يتجاوز التّقويم و « أنشدت منذ أيّام :
علمُ النّجومِ علَى العُقُولِ وَبَالٌ * وطِلابُ حقٍّ لا يُنال مُحالُ »
( المصدر نفسه 1 : 39 )
وقد فُقِدَ العلماء العارفون به ، لذا وجب عدم الاهتمام به وصرف الوقت في ما هو أفيد منه لأنه قد صار لا يعتمد على أسس علميّة بيّنة وإنّما صار يستند إلى الحدس والظنّ وعلى بعض تجارب القدامى :