إلي متى الكُسيرةُ اليابِسة والبُقَيلَةُ الذّاوية والقَميصُ المُرقَّع وباقليّ « 1 » دَربِ الحاجب وسَذابُ « 2 » درب الرَّوّاسين ؟ إلى متى التأدُّمُ بالخُبز والزَّيتون ؟ قد والله بحَّ الحلقُ وتغيَّر الخُلْق . . . » ( المصدر نفسه 3 : 226 - 227 ) .
ثمّ يسأل أباالوفاء المهندس أن يشفع له عند ابن سعدان الوزير في إعطائه قائلا : « ذَكِّرالوزيرَ أمري وكرِّرْ على أذنه ذِكري وأمْلِ عليه سُورةً من شُكري وابعَثْهُ على الإحسان إلىَّ . إفتَحْ عليه باباً يُغري الرّاغبَ في اصطناع المعروف لا يستغني عن المرغب والفاعل للخَيْرِ لا يَستوحِشُ من الباعث عليه . أنفِقْ جاهَكَ فإنّه بحمدالله عَرِيض وإذا جُدتَ بالمالِ فجُدْ أيضاً بالجاه فَانّهما أخَوَان . » ( المصدر نفسه 3 : 228 ) .
إنّ هذه المنزلة السيئة معنوياً ومادّياً كان لها تأثير واضح في أفكار العلماء والأدباء ؛ فأبو سليمان لشدّة ما أصابه من الفقر رغم علمه الواسع صار يعتقد أنّ العلم والمال لا يجتمعان لشخص واحد فهما ضرّتان « قلّما يجتمعان ويصطلحان » ولأنّ حظّ الانسان من المال إنّما هو من قبيل النفس الشهويّة والسبُعيّة و « حظُّهُ من العِلم إنما هو من قَبيل النَّفْسِ العاقلة وهذان الحظّانِ كالمتعانِدَيْن والضدَّيْن ، كما قال أفلاطون إنّ الله تعالى بقدر ما يُعْطِي من الحكمة ، يمنَعُ الرِّزقَ . » ( المصدر نفسه 2 : 49 ) .
وبيّن التوحيدي أثر الخصاصة في العلم والعلماء ، فقد زهدوا في الكتابة والتأليف وقدّموا عليها طلب القوت والمعاش . فبذلوا في سبيله : « بيعَ الدّين وإخلاقَ المروءة وإراقَةَ ماءِ الوجه وكدَّ البَدَن وتجرُّعَ الأسَى ومُقاساةَ الحُرْقة ومضَّ الحِرمان والصبرَ على ألوانٍ وألوان » ( المصدر نفسه 2 : 143 ) .
هامش
( 1 ) - البَاقِلَّى : الفُول ، اسم سَوادِيٌّ .
( 2 ) - سَذابُ : من الرياحين العطرة ينفع التواء العصب .