تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
جواب أو اتّسَعَ في خطاب وقد لقى منه النّاسُ الدّواهيَ لهذه الأخلاق الخبيثة . . . » ( المصدر نفسه 1 : 66 - 67 ) . ومن النّاس الذين أفسدهم ابن العميد وأساء إليهم ، الرّجل المعروف بأبيطالب الجرّاحي ، فقد أذاقه الأمرين ثمّ طرده من مجلسه « وعضَّ بعد ذلك على ناجِذِه ندماً على سوءِ فِعله . . . » ( المصدر نفسه 1 : 68 ) . ولم تكن خدمة رجال السياسة وتحمّل إهانتهم تدفع غوائل الخصاصة والفقر عن المفكّرين ، فالتوحيدي يصوّر لنا في كتابه أحوال العلماء الماديّة وما يعانونه من فقر مُدقع . فهذا أبو سليمان السّجستاني أبرز علماء العصر ومفكّريهم رغم خدمته للحكّام ومنهم الوزير ابن سعدان : « حاجتُهُ ماسّةٌ إلى رغيفٍ وحَولُه وقوّتُهُ قد عَجَزا عن أجرة مسكنِهِ وعن وَجبة غَدائه وعَشائه » ( المصدر نفسه 1 : 31 ) . وهذا وهب ابن يعيش اليهوديّ الذي تقرّب من ابن سعدان الوزير وحاول أن يغشى مجلسه « شديدُ الفقر ظاهرُ الخصاصه لاصقٌ بالدقعاء « 1 » » ( المصدر نفسه 1 : 105 ) . وإنّ حالة التوحيدي المادّية هي أوضح مثال صوّره الإمتاع والمؤانسة ، فهو بعدما خدم ابن سعدان وناصره سياسياً ودعا له في الجوامع والمجامع ومدحه بمدائح غزيره وأمّل العطاء الحسن ، وجد نفسه وقد خرج من بلاطه فقيراً معدماً يتوسّل ثانيةً إلى أبي الوفاء المهندس حتى ينظر في أمره ويساعده على حاله . ونلمس في توسّله تذلّلًا كبيراً مخجلًا . فهو مستعدّ لأن يبيع نفسه ولسانه لأجل الخروج من حالة الخصاصة والضّنك . لنستمع اليه حيث يقول : « خلّصني أيّها الرّجُلُ من التكفُّفِ ، أنقذني من لُبْسِ الفقر ، أطلِقْني من قَيد الضُّرّ ، إشتَرِني بالإحسان ، إعتَبِدْني بالشّكر ، استَعْمِل لساني بفُنُون المدح ، إكفِني مُؤونَةَ الغَداء والعَشاء .
هامش
( 1 ) - الدقعاء : الأرض لا نبات بها ولا تراب وهذه العبارة كناية عن الفقر الشديد .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 241 | مهدي عابدي