تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
كذلك نجد مسكويه مشغولًا بإنفاق زمانه وكدّ بدنه وقلبه في خدمة السلطان و « احتراقه في البخل بالدّانق والقيراط والكِسرة والخِرقة . نعوذ بالله من مدحِ الجود باللّسان وإيثارِ الشُّحّ بالفعل وتمجيد الكرم بالقَول ومفارقتِهِ بالعمل . » ( المصدر نفسه 1 : 36 ) . ولم يقتصر رجال السياسة على استخدام المفكّرين في مصالحهم السياسية ؛ بل كانوا كثيراً ما يهينوهم ويعنّفوهم كالصاحب ابن عبّاد الذي كان يجمع الشّعراء في العيد لمدحه وكان يصنع أبياتاً يمدح فيها نفسه ويعطيها إلى أبي عيسى بن المنجّم - وهو بغداديّ محكّك - ليمدحه بها في جملة الشّعراء وكأنّها من عنده وبعد أن يلقيها ، يخاطب الصّاحب وقد سمع مدحه لنفسه : « زِهْ يا أبا عيسى والله قد صفا ذِهنُك وزادت قريحتُك وتنقّحت قوافيك ، ليس هذا من الطِّراز الأوّل حين أنشدتَنا في العيد الماضي مجالسنا تُخرِّج الناس وتَهَب لهم الذّكاء وتزيد لهم الفِطنة وتحوّل الكَوْدن عتيقاً « 1 » والمحمّرَ « 2 » جواداً . . . » ( المصدر نفسه 1 : 56 ) . ثمّ يصرف له جائزه سنيّة فيغيظ ذلك الشّعراء الحاضرين ، لأنّهم يعرفون أنّ الرّجل ليس شاعراً « ولا يَقرضُ مصراعاً ولايَزِنُ بيتاً ولا يذوق عَرُوضاً . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . ومن أمثلة إهانة العلماء معنويّاً ما فعله الأمير بختيار عزّالدولة بهم وقد ذهبوا اليه يستحثّونه على تدارك ما جرى بالبلاد إثر غزو الرّوم للبلاد سنة 362 ، فأغلظ لهم القول وأخذ في شتم أبي بكر الرّازي بقوله : « أيظنّ هذا الشيخُ أبو بكر الرازيُّ أنّني غيرُ عالم بنِفاقِهِ ولا عارفٍ بما يشتمل عليه من خَيره وشرّه ، يلقاني بوجه صُلْبٍ ولسانٍ هدّار يرى من نفسه أنّه الحسنُ البصريّ يَعِظُ الحجّاج بن يوسُف أو واصلُ بن عطاء يأمُرُ بالمعروف . . . » ( المصدر نفسه 3 : 158 ) . وحدّثنا أبو حيان فيثنايا كتابه عن حسد ابن العميد للعلماء فقال عنه : « وكان أحسَدَ الناس لمن خطَّ بالقلم أو بلُغ في اللّسان أو فَلَجَ « 3 » في المناظرة أو فَكِهَ بالنّادرة أو أغرَبَ في
هامش
( 1 ) - الكودن : الفرس الهجين . والعتيق : عكسه . ( 2 ) - المحمّر : الفرس الهجين . ( 3 ) - فلج : فاز على خصمه وظفر به .