فلقد صوّر التوحيدي طويلًا غبن المفكّرين معنويّاً ومادّياً والغبن المعنوي مصدره الرئيسي رجال السياسة ، فقد أساؤوا إلى كثير من العلماء والأدباء واستخدموهم كوسائل لخدمة مصالحهم .
من ذلك أنّ ابن سعدان حاول أن يستعمل أباحيّان عيناً على رجل يُدعى ابن موسى ، لكنّ التوحيدي رفض الخدمة متعلّلًا بأنّ ذلك غير لائق بحاله . فقال مخاطباً الوزير : « . . . قيل ( أي للتوحيدي ) ينبغي أن تكون عيناً عليه ( أي علي ابن موسى ) وأنا لو قرّرت لك الحديث لما رأيتُهُ لائقاً بحالي . . . وابن موسى لم يكن من شَكلي ولا أشدّ للضدّ هُوناً من مصاحبة الضِّدّ ، فكيف إذا قُرنتُ برجل باطليِّ « 1 » لو مرّ بوهمه أمري لدَهدَهَني « 2 » من أعلى الجبل في الطّريق . » ( المصدر نفسه 1 : 52 - 53 ) .
وقد أبدى المؤلّف تحرّجه لماّ طلب منه الوزير أن ينقل له حديث مجلس رُسل سجستان فقال : « سمعتُ أشياءَ ولست أحبّ أن أسمَ نفسي بنقل الحديث وإعادةِ الأحوال فأكون غامزاً وساعياً ومُفسداً . » ( المصدر نفسه 1 : 42 ) .
ولكن إذا كانت لأبي حيّان الجرأة أحياناً على رفض التجسّس فإنّه قد خدم مصالح الوزير سياسيّاً ، فكان يدعو له في محافل النّاس ويذيع بينهم فضائله : « وأبلغتُهُ بنشر الدّعاء له في الجوامعِ والمجامع بطولِ البقاء ودوام العَلاء وكبْتِ الأعداء ونصرِ الأولياء » ( المصدر نفسه 2 : 26 ) .
وقد خدم أيضاً أبو سليمان السّجستاني الوزير خدمة كبيرة ، حتى : « سكرَ الآذان وملأ الدّنيا بالدّعاء الصالح رفعهُ الله إليه والثّناءِ الطّيبِ أشاعَهُ لله » ( المصدر نفسه 1 : 29 ) .
وقد ألّف رسالةً طويلة في مدح ابن سعدان وغايته من هذه الخدمة الحصول على بعض المال . ( المصدر نفسه 1 : 31 ) .
هامش
( 1 ) - يريد بالباطليّ أنّه يأخذ بالشّبهات والظّنون الباطلة .
( 2 ) - دهدهه : دحرجه .