تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
« الشّريعةُ طبُّ المرضى والفلسفةُ طبُّ الأصحّاء والأنبياءُ يُطِبّون للمرضَى حتى لا يتزايَد مرضُهُم وحتّى يزولَ المرضُ بالعافية فقط . فأمّا الفلاسفة فإنّهم يحفظون الصحّةَ على أصحابها حتى لا يَعتَريهم مرضٌ أصلًا ، فبين مدبّرِ المريض ومدبّرِ الصحيح فرقٌ ظاهر وأمرٌ مكشوفٌ ، لأنّ غاية مدبّر المريض أن يَنتَقل به إلى الصّحّة ، هذا إذا كان الدّواء ناجعاً والطبعُ قابلًا والطبيبُ ناصحاً وغايةُ مدبّر الصحيحٍ أن يحفظ الصحّة وإذا حفظ الصحّة فقد أفادَهُ كسبَ الفضائل . » ( المصدر نفسه 2 : 11 ) . إنّ موقف المقدسي يعبّر عن انتصاره لهذا العنصر الجديد في الثقافة الاسلامية ، بينما موقف أبي سليمان هو دفاع عن الشريعة باعتبارها عنصراً أصيلًا . فنرى إذن أنّ هذا الصّراع الفكري يعبّر : الف - عن الحرّية الفكرية التي سادت داخل المجتمع وقد كان بعض رجال السياسة وراء هذه الحرّية . أليس ابن الفرات هو الذي نظّم المناظرة بين أبي سعيد السيرافي ومتّى ابن يونس القُنّائي ؟ ب - عن تطوّر أساليب المجادلة الفكرية . فقد صارت هذه المجادلة منظّمة في مجالس ومنظّمة في طريقة الكلام والردّ على الخصم . ج - وعن الحركة الفكريّة الكبيرة التي وجدت في المجتمع آنذاك . د - وعلى أنّ الصراع الفكري كان يدور حول مقوّمات جوهريّة للمسلمين : اللغة والدّين والأدب ( باعتباره شاملًا لمشكلات الفكر والتّعبير الوجداني ) . وإلى جانب الاهتماميْن السابقين ونعني تنوّع المشاغل الفكريّة والصّراع بين الأصيل والدّخيل يجد الناظر في الإمتاع والمؤانسة اهتماماً بمنزلة المفكّر في المجتمع والغالب على أصحاب هذه المنزلة كما صوّرها الكتاب سوء أحوالهم عامّة . وننبّه هنا أيضاً إلى أنّ تركيز التّوحيدي على سوء منزلة المفكّر لا يعني أنّه لم يكن يوجد مفكّرون محظوظون ، لكن عين المؤلف لم ترصد الّا ما كان يعانيه بعض أهل العلم والمعرفة من غُبن وخصاصة .