وقبل دراسة أدب أبي حيّان وتصوير المجتمع العباسي في كتابه الفريد « الإمتاع والمؤانسة » ، لابدّ في هذه الدراسة المقتطفة من إلمامة بالمؤثّرات التي أحاطت مكانته ومنزلته وأثّرت في أدبه ، لهذا تحدّثنا عن عصره السياسي والعلمي والأدبي أولًا ، ثمّ عرجنا على مناحي معالم حياته وأخلاقه وثقافته وصلاته بوزراء عصره وبؤسه وتديّنه وتصوّفه وأمانته في النقل والرواية واتّهامه بالزندقة والوضع وإحراق كتبه .
ثمّ بعد ذلك درسنا بتفصيل خصائصه الفكرية والفنية ورأينا أنّ هذه الخصائص لا تنكشف على حقيقتها إلّا بالموازنة المنصفه بينه وبين كتّاب عصره .
وقد استقينا الحقيقة اللّامعة من ثلاثة ينابيع :
1 . مؤلّفات أبي حيّان نفسه ، لأنّها تنطق بالحقيقة الصّادقة في تصوير كثير من أحواله وأحوال عصره .
2 . دراسة تاريخ القرن الرابع الهجري والإلمام بأحواله السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية .
3 . ما كتبه القدماء عن أبي حيّان - على قلّته وتحامله عليه ( جار ولم يعدلْ ) فيما عدا ما كتبه ياقوت الحموي - وما كتبه المعاصرون .
1 - 1 - عصره السياسي :
عاش التوحيدي في القرن الرابع الهجري وهو « قرن التناقضات » وقد أطلق هذا الوصف عليه لأنّه القرن الذي بدا فيه التّدهور السياسي للخلافة العباسية حيث انقسمت الدّولة العباسية في أواخر القرن الثالث الهجري إلى دويلات صغيرة وتوزّعت إلى أشلاء ، وسادت في هذا القرن ألوان من الإباحية والإنحطاط الأخلاقي ( وكأثر من آثار فساد الحكم ) في المجتمع وضعف الشريعة الإسلامية بل فقدانها .
ولكنه في الوقت نفسه ، كان قرن الازدهار الفكري والنّضج الثقافي وبين الاثنين صلة حاول المؤرّخون والباحثون تفسيرها وأرجعوا ذلك إلى أسباب عديدة سنتحدّث عنها فيما يأتي .