تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
أظهرلنا التوحيدي في هذه المناظرة قدرة أبي سعيد البلاغية وبراعته في الإقناع وتبحّره في النحو ، وإلمامه الواسع باللّغة وضيقه بكتب المنطق العربية المترجمة عن السّريانية . وقد عقّب أبوحيّان على هذه المناظرة بقوله إنّ : « أبا سعيد أجمعُ لشَمل العلم وأنظمُ لمذاهب العَرَب وأدخَلُ في كلّ باب وأخرَجُ من كلّ طريق وألزَمُ للجادّة الوُسطى في الدّين والخُلُق وأروَى في الحديث وأقضَى في الأحكام وأفقَهُ في الفتوى وأحضَرُ بركة على المختلفة وأظهَرُ أثراً في المقتبسة . » ( المصدر نفسه 1 : 129 ) . الظّاهر أنّ أباحيّان قد فتن - منذ صباه - بعلم السّيرافي وعمله ، فإنّنا نراه يشهد له بالتضلّع في علوم العرب ، كما يُطري على أخلاقه العالية وميله إلى الزّهد والتقشّف . فهو يقول مثلًا في الحديث عن علم أبي سعيد : « وكان أبو سعيد بعيدَ القَرين ، لأنه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط والفرائض والنّحو . . . وهو في كلِّ هذا إمّا في الغاية وإمّا في الوسَطِ . » ( المصدر نفسه 1 : 133 ) . ولابدّ هنا أن ننسب قسماً من حديث السيرافي وأفكاره في هذه المناظرة إلى أبي حيّان ، فهو الذي كتب عن هذه المناظرة بطلب ابن الفُرات ، فحاكها بقلمه وسبكها بحسب رأيه وموقفه ، مع كثير من الحماسة للرأي واستطراد في تأكيد ودعم منه ، شأنه في ذلك شأن ما أورده على لسان أهل زمانه من آراء صاغها ببيانه وبلاغته فبدت جزءاً من فلسفته وفكره واتّجاهه . ونجد في الإمتاع والمؤانسة أقوى الأمثلة وأعمقها دلالةً على الصّراع بين الأصيل والدّخيل فيما يبيّنه لنا التوحيدي في مجادلة كبيرة حول الفلسفة اليونانية والشّريعة الإسلامية عند الحديث عن مذهب إخوان الصفا « 1 » في التّوفيق بين الفلسفة والشريعة .
هامش
( 1 ) - إخوان الصفا جمعية سرّية نشأت في البصرة وكان لها فروع في أكثر البلاد كما جاء في رسائلهم ، والمصدر الوحيد الذي عرفنا منه مؤسّسيها ، هو قول أبي حيان في كتابيه الامتاع والمؤانسة والمقابسات وقد نقله عنه القفطي إذ سأل وزيرصمصام الدولة أباحيان في حدود سنة 373 فأجاب أبو حيان أنّ زيد بن رفاعة أقام بالبصرة زمناً طويلًا وصادف بها جماعة « جامعين لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان البُستي ويُعرف بالمقدسي وأبو الحسن الزنجاني والمهرجاني والعوفي وغيرهم وكانت هذه العصابة قد تألّفت بالعشرة وتصافت بالصّداقة . فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلي الفوز برضوان الله . وذلك أنهم قالوا إنّ الشّريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضّلالات ولا سبيل إلي غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة . لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وصنّفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها وسمّوها ( رسائل إخوان الصفا ) وكتبوا فيها أسمائهم وبثّوها في الورّاقين ووهبوها للنّاس . ( أنظر : امين ، ظهر الاسلام 353 : 2 - 374 ) .