واستناداً إلى رواية التوحيدي للمناظرة - نقلًا عن علي بن عيسى الرُّماني ( ت سنة 384 ) نرى أنّ أبا سعيدٍ قد أعجز مناظرَه وذلك بأن سأله عدّة أسئلة وطلب منه أن يجيب عنها بمقاييس المنطق ومن تلك الأسئلة قوله :
« حدِّثْني عن الواو وما حكمُه ؟ فإنّي أريد أن أبيّن أنّ تفخيمَك للمنطق لا يُغني عنك شيئاً وأنت تجهل حرفاً واحداً في اللُّغة التي تدعوا بها إلى حِكمة يونان ومن جَهِلَ حرفاً أمكن أن يجهل حروفاً ومن جهل حروفاً جاز أن يجهل اللّغة بكمالها ، فإن كان لايجهلها كلَّها ولكن يجهل بعضها ، فلعلّه يجهل ما يَحتاج اليه ولا يَنفَعُه فيه علمٌ لايَحتاج فيه » ( المصدر نفسه 1 : 116 - 117 ) .
وقد عجز متى عن الإجابة : « فبَلحَ « 1 » وجَنحَ وغصّ بِريقِه » ( المصدر نفسه 119 : 1 ) .
والطّريف أنّ متّى عندما عجز عن الإجابة ، طلب الجواب من أبي سعيد ، فما كان منه إلّا أن قال له : « إذا حضرتَ الحلقةَ استفدتَ ، ليس هذا مكان التّدريس . هو مجلس إزالة التّلبيس ، مع مَن عادته التمويهُ والتشبيهُ » ( المصدر نفسه 1 : 119 ) . إلا أنّ هذا العنف لم يخرج بالمناظرة عن حدود الجدل الفكري المركّز .
لا شكّ أنّ هذه المناظرة الهامّة التي انفرد بذكرها كتاب الإمتاع والمؤانسة أوضح دليل وأدلّ شاهد على الصّراع بين الأصيل والدّخيل وبين المجادلة حول المفاضلة بين الحساب والبلاغة والانشاء .
فدفاع أبي سعيد السيرافي عن النّحو العربي ، يعتبر في الحقيقة دفاعاً عن مقوّم أساسي من مقوّمات الحضارة العربية الإسلامية أمام الزّحف المهدّم للمنطق اليوناني الذي أولع به كثير من العلماء وشغفوا به ، نخصّ بالذّكر منهم المتكلّمين والمجتمع آنذاك ليس شاذّاً في معرفته مثل هذا الصّراع ، إذ إنّ كلّ جديد يظهر في أيّ عصر لا بدّ أن يجد أناساً يقبلونه وآخرين يرفضونه .
هامش
( 1 ) - بلح : أعيي وعجز ، وجنح ، أي مال .