إنّ العنصر الأصيل من غير شكّ هو البلاغة والإنشاء لاتّصالها بالفصاحة وهي من أبرز مميّزات اللّغة العربية والأدب العربي ولا نقصد بالعربية الوجه الجنسي له ( إنتماءها للجنس العربي ) وإنّما نعني الوجه الحضاري للأمة الإسلامية فمعجزه القرآن في بيانه وفصاحته وقد أتقنت الأجناس المسلمة من غير العرب هذه اللّغة وفصحت فيها مثل ابن المقفّع أو بديع الزمان الهمذاني أو ابن العميد أو الصّاحب ابن عبّاد وغيرهم .
والعنصر الدّخيل هو علم الحساب ، فقد علا شأنه بين العلوم الإسلامية بعد ما ترجم العرب كتب اليونان واستوعبوها . وأبوالوفاء المهندس ( ت سنة 376 ) صاحب أبي حيّان ، من أبرز رياضيّ القرن الرابع للهجرة وله في هذا العلم مؤلّفات عديدة من أهمّها كتاب « في ما يحتاج اليه الكتّاب والعلماء من علم الحساب . » ( أمين ، ظهر الاسلام 2 : 389 ) .
إنّ ردّ أبي حيّان التّوحيدي على ابن عبيد ، ليس تهجيناً لعلم الحساب في ذاته وإنّما هو رفض لأن يُبتَلَع الأصيل لذا نراه يخاطب ابن عبيد مبيّناً له أن الصّناعتين تتكاملان : ولو أنصفتَ لعلمتَ أنّ الصناعة جامعةٌ بين الأمريْن ، أعني الحساب والبلاغة والإنسان لا يأتي أىّ صناعة فيشقّها نصفيْن ويُشرِّفُ أحدَ النصفين على لآخر » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 100 ) .
ونجد في كتاب الإمتاع والمؤانسة صورة أخرى لهذا الصّراع بين الأصيل والدّخيل عبّرت عنه المناظرة بين أبي سعيد السيرافي ( ت عام 368 ) ومتّى بن يونس القُنّائي « 1 » التي نظمها الوزير ابن الفرات ( ت عام 322 ) سنة 326 وهى تتعلّق بالمفاضلة بين النحو العربي والمنطق اليوناني .
فقد دافع أبو سعيد السّيرافي عن النّحو بينما دافع متّى ابن يونس عن المنطق والمتأمّل في هذه المناظرة يلحظ دون شكّ ما بلغه الجدل بين العلماء من نظام وتركيز وتعمّق رغم الحماس في الانتصار لهذا الرأي أو لذاك ، فقد افتتح أبو سعيد المناظرة بسؤال متّى عن معنى المنطق فأجابه
هامش
( 1 ) - أبو بشر متّى ابن يونس القنائي من أهل دير قُنّي . كان نصرانياً عالماً بالمنطق وإليه رئاسة المنطقيين في زمنه ، نزل بغداد بعد عشرين وثلاثمائة وكان وفاته في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة .