تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
قائلًا : « أعني به أنّه آلةٌ من آلات الكلام يُعرَفُ بها صحيحُ الكلام من سَقيمه وفاسدُ المعني من صالحه ، كالميزان فإنّي أعرف به الرُّجْحان من النّقصان والشّائل من الجانح « 1 » . » ( المصدر نفسه 1 : 109 ) . فردّ عليه أبو سعيد قائلًا : « أخطأتَ ، لأنَّ صحيحَ الكلام من سقيمه يُعرَف بالنّظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنّا نتكلّم بالعربيّة ؛ وفاسدُ المعني من صالحه يُعرَفُ بالعقل إذا كنّا نبحث بالعقل . » ( المصدر نفسه ) . واستمرّ الجدال على هذه الوتيرة حجّة بحجّة ورأياً برأي إلى درجة نرى فيها أنّ النقاش والمراء اتّخذ أبعاداً عميقة وصار دفاعاً عن مقوّمات حضاريّة ، فمتّى ابن يونس يؤكّد : « أنّ الترجمةَ حفظت العلوم اليونانية وأدّت معانيها وأخلصت الحقائقَ . » ( المصدر نفسه 1 : 111 ) واليونان « أصحابُ عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالَم وباطنِه وعن كلّ ما يتّصل به وينفصل عنه وبفضل عنايتهم ظهرما ظهر وانتشر ما انتشر من أنواع العلم وأصناف الصنائع ولم نجد هذا لغيرهم . » ( المصدر نفسه 1 : 112 ) . أمّا أبو سعيد فيقول له : « انّ الترجمةَ من طبيعتها التّعبير بكلّ رقّة عن المعاني ثمّ يسأله : « فكأنّك تقول : لاحجّةَ إلّا عقول يونان ولا برهانَ الّا ما وضعوه ولا حقيقةَ إلّا ما أبرزوه » ( المصدر نفسه ) . وهذه المجادلة بين متّى وأبي سعيد ، ليست خصومة فكرية ثُنائية . فالأوّل يمثّل جماعة وهى محبّي المنطق اليوناني وذلك بدليل قول السّيرافي : « هذا بابُ أنت وأصحابِك ورهطُك عنه في غَفلةٍ . » ( المصدر نفسه 115 : 1 ، التوحيدي ، المقابسات 45 ) . والثّاني يمثّل جماعة أيضاً وهي جماعة محبّي النّحو العربي بدليل قول متّي : « يكفيني من لغتكم » ( المصدر نفسه ) .
هامش
( 1 ) - الشّائل : المرتفع والجانح : المائل .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 234 | مهدي عابدي