تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
بعد استعراضنا لمظاهر عديدة من المشاغل العلميّة نستنتج مدى التطوّر العلمي الذي عرفه المجتمع في القرن الرابع للهجرة وذلك بتأثير ثقافات أخرى عرضها العلماء المسلمون لعلّ أهمّها الثقاقة اليونانية .

4 - 1 - 2 - الصّراع الفكري بين الأصيل والدخيل :

إنّ من المظاهر العامّة التي ميّزت الحياة الفكرية من خلال كتاب الإمتاع والمؤانسة ذلك الصّراع الفكري بين الأصيل والدّخيل ونعني بالأصيل كلّ ما أنشأه الفكر العربي الإسلامي بمحض اجتهاده إلى جانب الشريعة الإسلامية ، أمّا الدّخيل فهو كلّ ما نشأ في الثّقافة الإسلامية بأثر ثقافات أخرى غير إسلامية . واتّخذ الجدال الفكري في هذا الصراع طابعاً حادّاً وعنيفاً أحياناً . ومن أمثلة ذلك الصّراع ، الخصومة الكلامية الحادّة بين أبي حيّان التوحيدي وابن عبيد الكاتب في بيت ابن سعدان حول البحث في أيّهما أنفع : كتابة البلاغة والإنشاء أوكتابة الحساب . فقد انتصر ابن عبيد لكتابة الحساب وبيّن أنّها أنفع من كتابة البلاغة والإنشاء لأنّها جدّ والأخرى هزلٌ و « التشادُق والتفيهُق والكذبُ والخداعُ فيها أكثر وليس كذلك الحساب والتحصيل والإستدراك والتّفصيل » وهي صناعة معروفة بالمبدأ ، « موصولةٌ بالغاية ، حاضرةُ الجَدوى ، سريعةُ المنفعة والبلاغة زَخرفة وحيلة وهىَ شبيهةٌ بالسّراب كما أنّ الأخرى شبيهةٌ بالماء . » ( المصدر نفسه 1 : 96 ) . والناس في رأيه يفضّلون الحساب على سائر العلم لذا ترى أهل الحزم منهم « يحثُّون أولادَهم ومن لهم به عنايةٌ على تعلُّمِ الحساب ويقولون لهم : هو سلّةُ الخُبز » ( المصدر نفسه 1 : 97 ) . وقد اعتبر ابن عبيد أنّ كتّاب البلاغة والإنشاء يحتقرهم الخلفاء والوزراء في مجالسهم فيقولون : « اللهمّ إنّا نعوذُ بك من رَقاعة « 1 » المُنشئينَ وحَماقة المعلِّمين ورَكاكةِ النحوييّن والمنشئُ والمعلّم والنحويّ إخوة وإن كانوا لعَلّات والآفةُ تشملهم والعادة تجمعُهم والنقصُ يَغمرهُم . » ( المصدر نفسه 1 : 96 ) .
هامش
( 1 ) - الرقاعة من الرَّقِيع : الأَحمق الذي يَتَمَزَّقُ عليه عَقْلُه ، وقد رَقُع ، بالضمّ ، رَقاعةً ، وهو الأَرْقَعُ والمَرْقَعان . ( ابن منظور مادة رقع ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 231 | مهدي عابدي