« وأما الصّواب والخطأ فأمران عارضانِ للأقوال والأفعال والآراء وليسا بخُلُقيْن محضيْن ولكنّهما موكولان إلي نور العقل فما أشرق عليه العقلُ بنوره ، فهو صوابٌ وما أفل عنه العقلُ بنوره ، فهو خطأٌ . » ( نفس المصدر 151 : 1 ) .
أو يقول : « وأمّا الدماثه والكَزَازةُ ؛ فخُلقان محضان تابعان للمِزاج ، ثمّ المِران يزيدهما قوة وضَعفاً وهما للنّعت أقرب كالسّهولة والعُسر ؛ ولذلك يقال : « ما أدْمَثَ هذه الأرض » أي ما أرخاها وألينَها وفي المَثَل : « دَمِّثْ لجنبكَ قَبل النّوم مضطجَعاً » ( المصدر نفسه 1 : 154 - 155 ) .
وعلى هذه الوتيرة يسوق مفكّرنا أمثلته إلّا إنّ ما تجدر الإشارة إليه والوقوف عنده ، هو أنه بالرغم من إشارته إلى ما يحويه الوجود الإنساني من تناقضٍ وما يدور حوله من توتّر بين هذه المتناقضات ، يعطي لهذه الطبيعة أو التكوين الغلبة ، حتى لنجده يقلّص من مدى إختيار الإنسان وكأنّه قد جعل فيه قدراً من الإلهام أكبر مما صرّح به . ( أنظر : وسيم إبراهيم 49 - 55 ) .
وأمام تشعّب المعارف الفلسفية سعى ابن يعيش الرّقّي إلى تذليل طرق معرفتها فقال : « إنّ هناك طريقاً في إدراك الفلسفة مذللّةً مسلوكةً مختصرة فصيحةً ، ليس علي سالكها كدٌّ ولا شَقٌّ في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيلِ ما يطلب من السّعادة وتحصيل الفوز في العاقبة وإنّ أصحابنا طوّلوا وهوّلوا وطرحوا الشّوك في الطّريق ومَنَعوا من الجواز عليه غشّاً منهم وبخلًا ولؤمَ طباع وقلّة نُصحٍ وإتعاباً للطّالب وحسداً للرّاغب » ( المصدر نفسه 1 : 104 ) .
وإنّ أيسر السبل إلى ذلك هو الاقتصار من كلّ العلوم على أربعة أشياء هي : « معرفة الطّبيعة والنفس والعقل والإله تعالى ، فإنّه متى عرف هذه الجملةَ بالتّفصيل واطّلع على هذا التفصيل بالجملة ، فقد فاز فوزَ الأكبر ونال المُلك الأعظم وكُفِىَ مؤونة عظيمة في قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير » ( المصدر نفسه 1 : 106 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 230
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٣٠