تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
ليزول عنه ما حَنِقَ عليه ولكن ليتكلّف الصبر ويتناسى الجزاءَ على هذا أبداً » ( المصدر نفسه 1 : 148 - 149 ) . وأحوال الإنسان مختلفة وكلّ ما يدور عليه ويحور اليه مقابل بالضدّ ، فالتّوحيدي يبدأ فيذكر هذه الأضداد التي يدورحولها الإنسان ، فالأضداد تلتفّ حوله من كلّ جانب ، بل ونسيج وجوده هو الأضداد . ألا يدور وجوده كلّه بين الحياة والموت ، ويذكر مفكّرنا أمثالًا لهذه الإضداد التي يدور حولها وجودُ الإنسان ، ثمّ يبدأ ليتحدّث عما يدخل في باب الأخلاق وما لا يدخل ، ثمّ ينسب كلّ خُلق إلى أصله ، فمن الأخلاق ما يرد إلى الخلق بشكل محض ومنها ما هو قريبٌ منه ومنه ما يدخل تحته بوجه . . . الخ . وهو يضع منهجاً للإنسان يوجّهه إلى كيف يختار بين هذه الأضداد أوكيف يتّخذ موقفه ، فيرى أنّ عليه إن كانت في مجال الأخلاق أن يجتلب محمودَها ويتجنّب مذمومَها وأمّا إذا كان المرء خاصّاً بالحياة والموت فهما ليسا من الأخلاق ولا يعالجان بالاجتهاد ولكن النّوم واليقظة وإن كانا أيضاً ليسا من الأخلاق إلّا أنّه يمكن للإنسان أن يقف عند حدّ الضرورة ، فيكون بذلك قد وفّق في الاختيار ( المصدر نفسه 1 : 150 ) . والتوحيدي يرد الأخلاقيات إلى طبيعتها ، فيردّ الأخلاق إلى المزاج في الأصل ، فيقول في ذلك : « والأخلاقُ تابعةٌ للمزاج في الأصل ولذلك قلنا : إنّ الخُلُق ابن الخَلْق والولدُ شبيهٌ بوالده وفي الجملة كلُّ ما يمكن أن يُقال فيه للانسان : لا تفعل هذا . » ( المصدر نفسه 1 : 32 ) . وهو في هذه الفقرات يبدو للباحث معوّلًا على مسألة المزاج والخُلق مانحاً إياها أهميةً كبيرةً ، راداً معظم الصّفات الأخلاقية إلى الخَلْق أو إلى الطّبيعة والمزاج ، في حين أنه قد أوضح سابقاً أن تميّز الإنسان باختياره وإن سلوكه إختيار لا ألهام ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نراه يمنح التربية أهمية كبيرة أيضاً وهنا يكمن تناقض في رأيه ، إذ كيف يرد صفات الإنسان الأخلاقية إلى الخَلْق أو المزاج ، ثمّ يعنبر الإنسان مختاراً ويجعل سلوكه اختياراً لا الهاماً ، ثمّ يجعل للتربية سهماً مهماً أيضاً في سلوكه ؟ إضافة إلى أنه يرد بعض هذه الصفات إلى الخَلق وبعضها إلى الاكتساب وبعضاً ثالثاً إلى الاثنين جميعاً ، فهو يقول :