تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
فعن النّفسين الأخيرتين تصدر الأفعال المحمودة والأفعال المذمومة . أمّا النفس الناطقة فإنّها تسوس النفسيْن الأخريين لحملاهما علي فعل الخير . « فحينئذٍ يقومان على الصّراطِ المستقيمِ ، فيعود السَّفَه حِلماً أوتحالمُاً والحسد غِبطَةً أو تَغابُطاً . . . والغَيُّ رُشداً أوتراشُداً والطّيْشُ أناةً أو تآنياً . » ( المصدر نفسه 1 : 148 ) . وصرّفت هذه الكوامن في المَكامِن إذا سارت سَوْرتُها - « على مناهج الصّواب تارةً بالعِظَة واللُّطف وتارةً بالزَّجرِ والعُنف وتارةً بالأنَفَة وكِبر النّفس وتارة بإشعار الحذر وتارةً بعلوّ الهمّة . . . » ( المصدر نفسه ) . التّوحيدي يضع مفهوماً خاصّاً للأخلاق فعنده أنّ : « الخُلُق الحَسَن مُشتقٌّ من الخَلْق فكما لا سبيل إلى تبديل الخَلْق ، كذلك لا قدرة على تحويل الخُلُق » ( المصدر نفسه 1 : 148 ) . ولذلك يصف أخلاق النّاس من حيث طبائعهم ، فالإنسان : « إذا غلبت الحرارةُ عليه في مِزاجِ القلب يكون شجاعاً بذّالًا ملتهباً ، سريعَ الحركة والغَضَب ، قليلَ الحِقد . . . وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون ليّنَ الجانب ، سمحَ النفس ، سهلَ التقبُّل ، كثيرَالنّسيان وإذا غلبتْ عليه اليُبُوسة يكون صابراً ، ثابتَ الرأي ، صعبَ القبول ، يضبط ويحتدّ ويُمسِك ويَبخل . » ( المصدر نفسه 1 : 158 - 159 ) . وقد يبدو هذا القول وكأنّه يذهب بكلّ أمل في أيّ إصلاح ويلغي الدعوة إلى الخُلق الحسن والتحلّي بمكارم الأخلاق وكأنّه لا تبديل لأحوال العباد وبالتّالي لا مبررّ حتى للنّصح والإرشاد أوالتّذكير إلّا أنّ أباحيّان يتدارك ذلك بعض الشيء ، فيقرّر لتحسين الخُلق بعض الأمور وينصح لذلك ببعض الأعمال حضّاً على إصلاح الاخلاق إتقاءً للإضرار وسوء الاخلاق ، فيقول : « لكنّ الحضّ على إصلاح الخُلُق وتهذيب النّفس لم يقع من الحكماء بالعَبَثِ والتجزيف ، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة ، ومثالُه أنّ الحبشيّ يتدلّكُ بالماء والغَسول لا ليستفيد بياضاً ولكن ليستفيد بياضاً ، ولكن ليستفيد نقاءً شبيهاً بالبياض ويُقال للمِهْذار : « أُكفُفْ » لا ليكفّ عن النطق ولكن ليؤثِرَ الصَّمْتَ ويُقال للمَوتور « لاتحقد » لا
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 228 | مهدي عابدي