تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ويبدو جليّاً من خلال هذه النظرة ، التأثّر بالنظرة الأفلاطونية في النظرة إلى الوجود فقد تحدّث أفلاطون عن عالمين متباينيْن العالم السّفلى وهو عالم الأجساد والفساد . والعالم العلويّ وهو عالم الأرواح والخلود . ومن المواضيع الفلسفية المطروحة في الكتاب قضايا كثيرة متعلّقة بالإنسان وحريّته وبقدرته مثل قضايا الجبر والقدر أو الإرادة والاختيار أو القضاء والقدر والتّوحيدي يهتمّ بتعريف الإنسان جرياً على عادته في تحديد كلّ مفهوم تحديداً منطقياً دقيقاً - فنراه يقول : « الإنسانُ هو الشيءُ المنظومُ بتدبير الطَّبيعة للمادّة المخصوصة بالصُّورِ البشرية ، المؤيّدُ بنور العَقل من قِبَل الإله وهذا وصفٌ يأتي على القول الشائع ، عن الأوّلين ، إنه حىٌّ ناطق مائت [ أي حيٌّ ] من قِبَل الحسّ والحركة ، ناطقٌ من قِبَل الفكر والتمييز ، مائتٌ من قِبَل السَّيَلان والاستحالة . . . » ( المصدر نفسه 3 : 112 - 113 ) . والمتأمّل في هذا التحديد الدّقيق ، يلاحظ أنّ التّوحيدي قد أدخل في تعريفه للإنسان عنصر الاختيار أو الحريّة بدليل أنّه قد حرص على القول أنّ الانسان يوصف بصحّة العقيدة أو بطلانها وبصلاح العمل أو فساده وبصدق القول أو كذبه . والظّاهر أنّ التّوحيدي كان يعلّق أهميّة كبرى على فكرة تفاوت أنواع النّوع البشري ، بدليل أنّنا نراه ينقل عن الفيلسوف النصراني عيسى بن زرعة قوله : « إنّي لأعجبُ من ناسٍ يقولون : كان يَنبغي أن يكون النّاسُ على رأيٍ واحد ومنهاج واحدٍ وهذا ما لايَستَقيم ولا يقعُ به نظامٌ . . . وهبْ أن يكون الناسُ وكلُّ واحدٍ منهم مَلِكاً يأمُرُ ويَنهَي ويُستَمَعُ له ويُطاع ، فمن كان المأمورَ المؤتمر والمنهىَّ المُنتَهِي ؟ والعاقلُ الحصيفُ يَعلمُ أنّه لابدّ من التّفاوت الذي به يكون التَّصالح ، كالعالم والمتعلِّم والآمِرِ والمأموروالصّانع والمصنوع له . » ( المصدر نفسه 3 : 130 - 131 ) . وكان الأصل في اهتمام التّوحيدي بهذه الفكرة هو ما لاحظه في عصره من وجود مظاهر اختلاف عديدة بين الأفراد والشّعوب من حيث الشّمائل والعادات والسّنن والعقائد . . .