تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وقد احتلّت النفس مقاماً ممتازاً في أسمار ( الإمتاع والمؤانسة ) . ففي الليلة الرابعة والعشرين سأل الوزير ، أباحيّان : « هل تعرفُ العربُ الفرقَ بين الرّوح والنّفْس في كلامِها ؟ وهل في لفظِها من نظمِها ونثرها ما يدلُّ علي ما بينهما أو هما كشيءٍ واحدٍ لحقَهُ إسمان ؟ » ( المصدر نفسه 2 : 112 ) . فبيّن له التوحيدي خطأ الاستعمال الذي يخلط النّفس بالرّوح والرّوح بالنفس . ثمّ حدّد له الفرق بينهما بالاعتماد على رأي الحكماء ، فقال : « إنهم حكموا بأنّ الرّوحَ جسمٌ لطيفٌ مُنْبَثٌّ في الجسد على خاصِّ ما له فيه ، فأمّا النفسُ النّاطقةُ فإنها جَوهرٌ إلهيٌ وليست في الجسد [ على خاصّ ما له فيه ] ولكنّها مدبّرةٌ للجسد ولم يكن الإنسانُ انساناً بالرُّوح بل بالنّفس ولو كان إنساناً بالرّوح لم يكن بينَه وبين الحمار فَرقٌ ، بأن كان له روحٌ ولكن لا نفسَ له . فأمّا النفسان الأخْرَيان اللّتان هما الشهَويّة والغَضَبيّة فانّهما أشدُّ اتصالًا بالرُّوح منهما بالنّفس وإن كانت النّفسُ الناطقةُ تدبّرهما وتَمُدّهما وتأمُرُهما وتَنْاههما . . . » ( المصدر نفسه 2 : 113 ) . ووقع الخوض في معدن النفس وفي خصائصها وعلاقتها بالجسد والرأي الشائع كما جاء في الكتاب : أنها جوهر خالد لا تموت . ليست بهيوليّ أي لا جسم لها وهى التي تسيّر الجسد ومن صفاتها أنها تقبل الأضداد من غير تغيّر فهي « ( النفس ) جوهرٌ لا عَرَض وحدُّ الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغيُّر وهذا لازم للنّفس لأنها تقبل العلم والجهل والبِرّ والفُجور والشّجاعه والجُبن والعفّة وضدَّها وهذه أشياء أضداد ، من غير أن تتغيّر في ذاتها ، فإذا كانت النفس قابلةً لحدّ الجوهر وكان كلُّ قابل لحدّ الجوهر جوهراً فالنّفس إذن جوهرٌ » ( المصدر نفسه 1 : 200 - 201 ) . فالنّظرة المسيطرة إذن هي أنّ النفس أفضل من الجسم ولهذا كان مقرّها « مَعدِن الكرامة وجنّة الخُلد فلاحاجةَ بها إلى علم العالَمِ السُّفلى الذي لا ثباتَ له ولا صورَة ، لغلبَةِ الحَيْلولة عليه وتذكُّرِ الحيلولة حَيلُولة وذلك دليل النَّقص واعتراضُ الألمِ . » ( المصدر نفسه 3 : 112 ) .