ولم يكن هذا التقارب بين الفنّين جيداً ، فقد رأيناه عند ابن طباطبا « 1 » ولكن أباحيّان يلمح إلى شيء من التقارب في الإيقاع وهو شيء كفّله نثر القرن الرابع ، فإنّ النغمة الموسيقية فيه ارتفعت حتى قاربت نغمة الشعر وغلبت قوة المحاكاة على الخطابة واختلط الفنّان ولكن أباحيّان لم يكن يعني الإقتراب بينهما في التّصوير ، غير أنّه وجد في القرن الرابع من يعيب الجاحظ بقلّة التشبيهات والاستعارات ، بل من يعيبه بأنّه بعيدٌ عن « معتاص الكلام » و « غريبه » . مع أنّ أباحيّان وأصحابه قد شدّدوا كثيراً على خلوّ الشعر والنثر من الغريب وما أشبهه ولكن نثر القرن الرابع لم يحفل كثيراً بهذا المقياس ( أنظر : إحسان عباس ، تاريخ النقد الأدبي عند العرب 120 - 136 ) .
وقد كان للمسائل العلمية حظّها في الحياة الفكرية من ذلك الحديث عن الحيوان وعن خصائصه في ليلة كاملة هي اللّيلة العاشرة وقد اهتمّ التوحيدي في حديثه عن الحيوانات بأعمارها وتناسلها وأمراضها وهى معلومات جمعها من قراءاته ومن مسموعاته .
وفي رواية التوحيدي نجد عدّة أوهام ، بدت له علمية ، فذكرها وكأنّها حقائق ثابتة مثل قوله : « الغنمُ إذا هاجَتِ المُسنَّةُ منها أوّلًا فالسَّنةُ ذاتُ خِصب وإن هاجت الفتيَّةُ أوّلًا فالسّنة رديئةٌ على الغَنَم . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 163 ) .
وقوله أيضاً : « في البحر حوتٌ يُقال له البوس ، يتولّد من الصّاعقة إذا كانت في البحر وإن وُضع ذلك الحوت بين اثنين فأكلا منه تحابّاً ولا يحقد أحدٌ على أصحابه ويتآخيان أحسنَ الإخاء . . . » ( نفس المصدر 1 : 174 - 175 ) .
4 - 1 - 1 - 3 - الكيمياء :
هامش
( 1 ) - يعرّف ابن طباطبا الشعر بأنه : « كلام منظوم وانّ الفرق بينه وبين النثر انما يكمن في النظم وإنّ نظمه معلوم محدود . » ( ابن طباطبا ، عيار الشعر 4 ) .