تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
ومن محاسنه أنّه يزيّن النثر ببيت شعر مثلًا : « يُقالُ : ما أحسن هذه الرسالةَ لو كان فيها بيتٌ من الشِّعر ولا يقال ما أحسنَ هذا الشِّعر ولو كان فيه شيءٌ من النثر لأنّ صورةَ المنظوم مَحفوظة وصورةَ المنثور ضائعةٌ . » ( المصدر نفسه 2 : 136 ) . وقد وقف أبو سليمان السّجستاني من هذا الخلاف موقفاً توفيقياً قال : « للنّثر فضيلةٌ لا تُنكَر وللنّظم شرَفُه الذي لا يُجحَدُ ولا يُستَر ، لأنّ مناقبَ النّثر في مقابلةِ مناقبِ النّظم ومَثالبَ النَّظم في مقابلةِ مثالب النّثر ، الذي لابدّ منه فيهما السَّلامةُ والدِّقّةُ وتجنّبُ العَوِيص وما يحتاج إلى التّأويل والتخليص وقد قال بعض العرب : خيرُ الكلامِ ما لم يُحتج معه إلى كلام . » ( نفس المصدر 2 : 139 ) . وواضح أن هذه الخصومة ما كانت لتصل إلى هذا المستوى لولا تعصّب كلّ فريق لما يحسنه ومع ذلك فإنّ أباحيّان كان يرى أنّ الأكثرية يقدّمون النظم على النثر ، دون أن يحتجّوا فيه بظاهر القول وإنّ الأقلّيّة قدّموا النثر وحاولوا الحجاج له ولذلك سأل صديقه مسكويه عن مرتبة كلّ منهما فكان مجمل جوابه : أنّ النظم يزيد على النثر بالوزن فهو أفضلُ من هذه الجهة ؛ أمّا إذا اعتبرت المعاني فإنها مشتركة بينهما « وليس من هذه الجهة تميّز أحدهما من الآخر ، بل يكون كلُّ واحد منهما صِدقاً مرةً وكِذباً مرةً وصحيحاً مرةً وسقيماً أخرى . » ( التوحيدي ، الهوامل والشوامل 309 ) . وعلى الرّغم من أنّ المشكلة الكبرى التي شغلت أذهان هؤلاء المفكّرين هي التّمييز بين الشعر والنثر أو التّفضيل بينهما ، فإنّ أباحيّان يخلص إلى القول أنّ : « خيرُ الكلام ما قامت صورتُهُ بين نظمٍ كأنّه نثر ونثرٍكأنه نظم ، يُطمِعُ مشهودُه بالسَّمع ويمتنِعُ مقصودُه على الطَّبعِ . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 2 : 145 )