تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وحسبُك أن تقرأ قوله مثلًا : « وأمّا ابن جَلَبات « 1 » فمجنونُ الشّعر . . . » ( المصدر نفسه 1 : 135 ) حتّى تحسّ أن جملة هذه تستوعب كثيراً ممّا لو أخذ بالتّحليل لأفردت له دراسة كاملة ولكن هل كانت هذه الأحكام تنطبق على هؤلاء الشّعراء تماماً ؟ ذلك أمر يعزّ اليوم القطع به وحسبنا أنّ أباحيان فذّ في هذه ( الطريقة التصويرية ) في النقد ، هذه الطّريقة التي استخدمها أيضاً في الحديث عن النّاثرين ؛ فقال في الصّابي مثلًا : « وأبو إسحاق ، معانيه فلسفيّة وطباعُهُ عراقية وعادتُه محمودة ، لايَثِبُ ولايَرسَبُ ولا يَكلُّ ولا يَكْهُمُ « 2 » ولا يلتفت وهو متوجِّه ولايَتوجّه وهو ملتفِت » ( المصدر نفسه 1 : 67 ) . وقد حاول كُتّاب المقامات النقدية فيما بعد أن يحتذوا هذه الطريقة ، ولكنهم لم يكونوا يتمتّعون بذكاء أبي حيّان ولا جمال تصوّره وتصويره ( عباس ، تاريخ النقد الأدبي عند العرب 256 ) . تميّز أبوحيّان بذلك الظمإ العقلي الذي كان يحفزه إلي التّساؤل الذّاتي وإلى القاء الأسئلة عمّا يختلج في ذهنه ونفسه من مشكلات ومن أهمّ المشكلات التي كانت تجول في ذهنه وأذهان المفكّرين من حوله مشكلة العلاقة بين النظم والنثر . فقد طلب ابن سعدان من التّوحيدي أن يحدّث عن : « مراتب النّظم والنّثر وإلى أيّ حدّ يَنتهيانِ وعلى أيّ شَكْل يتّفقانِ وأيُّهما أجمعُ للفائدة وأرجَعُ بالعائدة وأدخَلُ في الصِّناعة وأولَى بالبَراعة . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 : 130 ) وقد أجاب التوحيدي طلب الوزير بما لا يدع مجالًا للشكّ والرّيب في أنّ قضية المقارنة بين النّظم والنثر ليست قضية مجلس ابن سعدان وحده وإنما قضية اهتمّ بها عددٌ هامّ من أدباء ذلك العصر وعلمائه كأبي سليمان السجستاني وأبي عابد الكرخي صالح بن علي ( وقد نقل عنه التوحيدي رأيه مباشرة ) وأحمد بن محمد كاتب ركن الدولة وابن نباتة « 3 » وغيرهم .
هامش
( 1 ) - وهو أبو القاسم علي بن جلبات ، ذكره صاحب اليتيمة في الجزء الثاني ص 270 وروى شيئاً من شعره . ( 2 ) - يكهم : أي يضعف . ( 3 ) - هو عبد العزيز بن محمد نباتة من شعراء سيف الدولة واتّصل كذلك بابن العميد ( توفّي عام 405 ) .