وما يويّد هذا ، قول المؤلّف في أوّل إجابته : « وقد قال الناسُ في هذين الفنّيْن ضُروباً من القَوْل لم يَبعدوا فيها من الوَصفِ الحَسَن والإنصاف المحمود والتَّنافُس المقبول ، إلّا ما خالَطَهُ من التعصّب والمَحْك » ( المصدر نفسه 2 : 131 ) .
والطّريف في إجابة التوحيدي أنّ الناس حول هذه القضيّة قد انقسموا إلى مفضّل للنّثر ومفضّل للنّظم وموفّق بين الموقفين ولكلّ جماعة الحجج التي تدعم مواقفها .
فالقائلون بفضل النثر ، يحتجّون له بأنّه هو أصل الكلام والنظم فرعه وليس الفرع كالأصل وأنّه لغة الكتب السماويّة ومبرّأ من التكلّف والوحدة فيه أظهَر وهو طبيعي في البدأة لأن النّاس يتكلّمون فيه إبتداءً وهو غير محتاج إلى الضّرورات كالشعر ( المصدر نفسه 2 : 132 ) .
وقد شبّه ابن طرّارة - وكان من فُصحاءِ أهل العصر بالعِراق - النثر بالحُرّة والنَّظمَ بالأمة :
« والأَمَة قد تكونُ أحسَنَ وجهاً وأدْمَثَ شمائلَ وأحلَى حركات ، إلّا أنها لا تُوصَفُ بكَرَم جَوهَر الحُرَّة ولا بشَرَفِ عِرْقها وعِتقِ نفسها وفَضلِ حيائها . . . ولشَرَفِ النثر قال الله تعالى في التنزيل : ( إذا رأيْتَهُمْ حَسِبتَهُمْ لُؤلؤاً مَنثُوراً ) ولم يقل لؤلؤاً منظوماً ونجومُ السّماء مُنتثِرَة وإن كان انتثارُها على نظام ، إلّا أنّ نظامَها في حدّ العقل وانتثارَها في حدِّ الحِسّ ، لأنّ الحكمةَ إذا غُطِّيَت نفسُها كانت الغلبةُ للصُّورة القائمة بالقُدْرة . » ( المصدر نفسه 2 : 134 ) .
وكرّر أبو سليمان المنطقي أمر ظهور الوحدة في النثر : « النثرُ أشرفُ جوهراً والنظم أشرفُ عِرضاً ، لأنَّ الوحدةَ في النثر أكثرُ والنثر إلى الوحدة أقربُ ، فمرتبةُ النظم دونَ مرتبة النّثر ولأنّ الواحد أوّل والتابع له ثانٍ » ( التوحيدي ، المقابسات 261 ) .
ونضرب صفحاً عن حجج الآخرين الذين يفضّلون النثر ، لأنّها قليلة القيمة في ميدان الجدل .
أمّا المنتصرون للنظم فيقولون : إنّ فضلَه يكمُنُ في أنه صار صناعةً برأسِها ، وضعت قواعدها وليس كذلك النثر ، فنطق به كلُّ الناس من الخاصّة والعامّة والنّساء والصّبيان ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 : 135 - 136 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 221
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٢١