إنّ أباحيّان التّوحيدي في بداية الأمر اعتذر عن نقد الشّعراء المعاصرين حين سأله الوزير ابن سعدان أن يصف له ما تميّز به كلّ واحد منهم ، فقال : « لستُ من الشّعر والشّعراء في شيء وأكره أن أخطو على دَحْض « 1 » وأحتسىَ غير محض » ( المصدرنفسه 1 : 134 ) ، إلّا أنه من خلال هذا التّواضع لم يكن يهدف إلّا إلى تقديم العذر وحده ، فأمّا معرفته بالشعر والشعراء فقد تجاوزت ثغور ذلك التّواضع بكثير ، وهو رغم صعوبة الكلام على الكلام « 2 » كان قد أزمع أن يكتب رسالة مستقلة في هذا الموضوع ( التوحيدي ، المقابسات 246 ) ولكن لا ندري هل وفي بوعده أم لم يفِ .
إنّ ملاحظات التوحيدي في نقد الشعراء والأدباء مجملة ، تبتنى عمّا كونه من رأى في كلّ واحد منهم بعد أن عرف شعره ، فمن ذلك قوله : « أمّا السّلاميُّ فهو حلوُ الكلام متّسق النّظام كأنما يَبسِم عن ثغر الغَمام ، خفيُّ السَّرِقَة لطيفُ الأخذ ، واسعُ المذهب ، لطيف المَغارس ، جميلُ الملابس ، لكلامِهِ لَيْطَةٌ « 3 » بالقلب وعبثٌ بالرّوح وبَردٌ على الكبِد . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 67 ) .
وقد يبدو هذا الكلام مرسلًا لأنه غير مؤيّد بالشّواهد ومثله يتحمّل الخلط بين تقدير أبي حيّان للشّاعر وتقديره للشّعر في آنٍ واحد وإذا كانت المعاصرة تتحمّل الوجه الثاني ، فإنّ التوفيق في هذه العبارات قد ينفي القول بأنّ كلام أبي حيّان تعميميّ ، لأنّ كلّ حكم يُرسله يدلّ على تعمّقٍ في الدراسة مع انتحاء النّاحية التّصويرية أحياناً في هذه الأحكام .
هامش
( 1 ) - علي دحض : أي علي مزلقة ومزلّة للأقدام .
( 2 ) - لفظ استخدمه التوحيدي للنّقد ، كما يقول : « لأنّ الكلام على الكلام يدور على نفسه ويلتبس بعضُه ببعض ولهذا شقّ النحو وما أشبه النّحو من المنطق وكذلك النثرُ والشعرُ . » ( المصدر نفسه 131 : 2 ) .
( 3 ) - ليطة بالقلب ، أي التصاق به وتعلّق .