تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ونستفيد من إجابات التّوحيدي أخذ صورة عن النقد الأدبي وعن أسسه . فلنتأمّل في هذا المثال ولنحللّه : قال أبوحيّان متحدّثاً عن ابن الخمّار في سياق إجابته عن طلب الوزير الآنف الذكر : « وأمّا ابن الخمّار ففصيح ، سَبْط الكلام ، مَديدُ النَّفَس ، طويلُ العِنان ، مَرضيُّ النّقل ، كثير التّدقيق ، لكنه يخلط الدُّرَّةَ بالبَعْرة ويُفسد السّمين بالغَثّ ويَرقَع الجديد بالرَّثّ ويشين جميع ذلك بالزَّهْو والصَّلَف ويزيد في الرّقم والسَّوْم « 1 » ، فما يُجديه من الفضل يرتجعه بالنقص . . . » ( المصدر نفسه 1 : 33 - 34 ) . نلاحظ أنّ المعايير التي اتّبعها التّوحيدي في نقد ابن الخمّار ثلاثة : بلاغية وفكرية وأخلاقية . فقد أظهر أولًا فصاحته وبساطة لغته ، ثمّ تحدّث عن حسن ترجمته ودقّتها ليبرز في نهاية المطاف مفاسده الأخلاقية وهي الكذب والمغالاة والمبالغة . ونلاحظ أنّ أباحيّان قد اتّبع تقريباً نفس هذه المقاييس كلّما وصف أديباً أو عالماً وذلك يدلّ على أنّ النقد الأدبي في ذلك العصر كان خاضعاً لهذه الأسس والمقاييس . وقد نقد القومسي قائلًا : « أمّا القُومَسيّ أبو بكر ، فهو رجلٌ حسنُ البلاغة ، حلوُ الكناية ، كثيرُالفِقَر العَجيبة ، جمّاعةٌ للكتب الغريبة ، محمودُ العناية في التّصحيح والإصلاح والقراءة ، كثير التردّد في الدّراسة ، إلّا أنّه غير نصيح في الحكمة ، لأنّ قريحتَه تُرابية وفكرتَه سَحابيّة ، فهو كالمقلِّد بين المحقّقين والتّابعِ للمتقدّمين مع حبٍّ للدّنيا شديد وحسد لأهل الفضل عتيد » ( المصدر نفسه 1 : 34 - 35 ) . في هذه العبارة نجد التوحيدي قد أظهر أولًا فصاحته ونصوعه اللّغوي ونثره الفاتن ، ثمّ بيّن مساوئه ومحاكاته للسّلف وحسده العتيد وحبّه للدنيا حبّاً شديداً .
هامش
( 1 ) - يزيد في الرّقم : أي يزيد في حديثه ويكذب ويريد بالزّيادة في السّوم : المغالاة . أصل السوم في المبايعة عرض السلعة للبيع .