لقد تنوّعت المشاغل الفكرية في الإمتاع والمؤانسة وتعدّدت قضاياها ورغم أنّ هذه القضايا التي صوّرها الكتاب كان مُنطلقها مجلس الوزير ابن سعدان فانّها تتجاوز ذلك المحيط لتعبّر عن مشاغل العصر ، لأنّ كثيراً من إجابات أبي حيّان عن أسئلة الوزير مُستقاة من مجالس علمية وقعت خارج بلاطه وليس أدلّ على ذلك من ثراء الكتاب بآراء أبي سليمان السجستاني وهو لم يكن يحضر أبداً مجالس الوزير ابن سعدان .
4 - 1 - 1 - 1 - اللّغة :
إنّ من أبرز المشاغل التي وصفها التّوحيدي القضايا اللغوية ؛ وهي متعلّقه أحياناً بالبحث عن معاني الكلمات الغريبة ككلمة ( المئَر ) التي سأل عن معناها ابن سعدان . فأجابه التّوحيدي إنّ معناها في بيت :
« إنّي لأُفصِحُ عَن قَومي وألبَسُهُم * عَلى الضَّغائِنِ حَتّى تَبرأ المِئَرُ »
هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت ، واحدها مِئْرَةٌ ، كأنه أراد وألبَسهم علي الضغائن حتى تبرء الضغائن فرجع من لفظ إلي لفظ ضرورةَ القافية لمّا كان معناهما واحداً . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 49 ) .
وأحياناً أخرى تتعلّق بضبط الفوارق بدقّة بين كلمات تبدو متشابهة المعنى مثل كلمتي ( العتيق والخلق ) فكان الجواب أنّ العتيق يُقال على وجهين ، فأحدهما يُشار به إلى الكرم والحسن والعظمة وهذا موجود في قول العرب « البيت العتيق » ( المصدر نفسه 1 : 24 ) ، كما تدلّ على : « قِدَم من الزّمان مجهول . » أمّا لفظة الخَلَق ، فهي متضمَّنة معنيين : أحدهما يُشار به إلى أنّ مادّته بالية ومعنى آخر يُشير إلى كلّ ما أصبحت نهايته قريبة ( المصدر نفسه ) .
ثم ذكر أبوحيّان التوحيدي سؤاله حول القديم وهو : « هل تعرفُ العربُ أنّ معنى القديم ما لا أوّل له ؟ ثمّ أجاب عنه بجواب أستاذه أبي سعيد السّيرافي الذي قال : « هذا ما صحّ عندنا عنهم ولاسبق إلى وهمِنا هذا منهم ، إلّا أنّهم يقولون هذا شيء قديمٌ وبنيان قديمٌ ويسرّحون وهمَهم في زمان مجهول المبدأ . » ( المصدر نفسه 1 : 25 ) .