جملتين متتاليتين : « قال أبو دُلف : دخلتُ على الرّشيد وهو في طارمَة ، وعلى بابها شيخٌ جليلٌ قد ألقيت له طَنفَسَة خارج الطارمة . . . « 1 » » ( التوحيدي ، البصائر 1 : 346 ) .
وبذلك نستطيع القول أنّ الاختلاط الاجتماعي والثّقافي ولد اختلاطاً لغوياً ، ما زالت آثاره في حياتنا اليومية والثّقافية إلى اليوم .
3 - 4 - 4 - 2 - الأمثال الفارسية :
ومع الامتزاج الحضاري الذي شهده القرن الرابع الهجري ، الذي كان في أرقى تجليّاته امتزاجاً لغوياً ، شاع بين الأدباء والعامّة استخدام الأمثال الفارسية بوصفها ثقافة عامة ، تكتسب أهميّتها من كونها تمثل خلاصة حكمة الشعوب وتجاربها ، فمثلًا يسأل التوحيدي : « ما علّةُ الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامّةً له ولغيره ؟ لم يتمّنى ، بسبب محنته ، أن يشركه الناس ؟ ولم يستريح إلى ذلك ؟ وأصحابنا يَروون مثلًا بالفارسية ترجمته : « من احترقَ بَيدره أراد أن يحترقَ بيدَر غيرِهِ » ( التوحيدي ، الهوامل والشوامل 62 ) .
أما في البصائر ، فيقول سمعت أشياخنا يقولون : من أمثال الفرس « ما دخل مع اللّبن لا يخرج إلّا مع الرُّوح . . . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 379 ) .
الملاحظ أنّ مصدر هذه الأمثال سماعيّ ، سمعه التوحيدي من خلال علاقاته الاجتماعية والصداقة ( أصحابنا ) وإمّا عن طريق الأساتذة الذين تعلّم على يدهم ( أشياخنا ) .
فالمثل الفارسي يأتي في سياق الكلام العربي بشكل طبيعيكي يزيد المعنى إيضاحاً ، خاصّة حين يعتمد اللغة التّصويرية . فمثلًا يسأل التوحيدي في « مثالب الوزيرين » صديقه الذي كان من أصل فارسي وهو أبو الوفاء المهندس ، حين عاد من عند الصاحب ابن عبّاد ، كيف شاهدته ؟ فيجيبه :
هامش
( 1 ) - الطّارمة : بيت من خشب كالقبّة والجمع طارمات ، الطنفسة : البساط والحصير من سعف عرضه ذراع ، معرّب تنبسه بالفارسيّة والجمع طنافس .