تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
« أهدى المعلّى بن أيّوب إلى المتوكّل في يوم نَيروز سكرةً عليها خيارةٌ صغيرة ، فسئل عن ذلك ، فقال : الحلاوة للسكّر ، والخيارة ، فلأنّه في إقبال أيامه وابتداء ظهوره ، ولأنّ اسمه بالفارسية والعربية والنبطية خيار ، وهو خيار وخيرة واختيار وخير » ( المصدر نفسه 2 : 222 ) . إذن في عيد النيروزكان الناس يتبادلون الهدايا فيما بينهم ، كما يتبادلون الهدايا بينهم وبين الخليفة ، فمثلًا كان أحد الرجال ينتهز هذه الفرصة ليجامل الخليفة بهدية بسيطة ذات دلالات رمزيّة ، تتألّف من السكر ( الذي يدلّ طعمه على تمنّي حلاوة الأيام للخليفة ) وخيارة صغيرة ( يحمل اسمها دلالات معنوية يتمنّى الرجل أن يمتلكها الخليفة ) ، خاصّة أنه في بداية حكمه ، فيكون من ضمن هذه الدّلالات أي يكون الخير عاماً يعمّ الناس جميعاً . وهكذا استطاعت كتب التوحيدي أن تقدّم لنا صورة اجتماعية وثقافية حيّة ، يستجلي المرء عبرها صورة للتمازج الحضاري بين العرب والفرس في القرن الرابع الهجري ، أعطى العرب فيه غيرهم من الأمم ، ولم يستنكفوا أن يأخذوا منهم . نستخلص بعد تحليلنا لخصائص الحياة الاجتماعية ولمواقف التوحيدي منها أن : 1 - الوضع الاجتماعي في البلاد لم يكن أقلّ توتّراً أو فساداً من الوضع السياسي وذلك أمر طبيعي للتّلازم المتين بين الوضعين ، فلا يمكن للأحوال الاجتماعية أن تصلح وسط وضعٍ سياسي متعفّن . 2 - ونتيجة لذلك فإنّ آراء التوحيدي ومواقفه من الحياة الاجتماعية جاءت ممثّلة لحقيقة موقفه من الحياة السياسية ومعبّرة في نفس الوقت عن الضّيق الذي كان يعيشه . 3 - ونستخلص كذلك أنّ طموحات التوحيدي الإصلاحيّة بالنسبة إلى الوضعين السّياسي والاجتماعي كانت مركّزة على نظرية مبدئيّة واحدة عمادها الدّين الاسلامي القويم بكلّ أخلاقياته السياسية والاجتماعية .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 211 | مهدي عابدي