« أبي الإسلامُ لا أبَ لي سِواهُ * إذا افتَخَرُوا ببكْرٍ أو تَميمِ
بِدَعوَى الجاهليَّةِ لم أجبْهُم * ولا يدعو بها غيرُ الأثيمِ
دَعيُّ القومِ يَنصُرُ مُدّعيهِ * ليلحَقَهُ بذي الحَسَبِ الصَّميمِ »
( التوحيدي 2 : 600 ) .
مع بداية ظهور الإسلام حلّ التّباهي بالدّين لدى المسلم محل التّباهي بالنّسب الذي كان شائعاً بين العرب ، وقد بيّن لنا سلمان الفارسي أنّ مثل هذا التّباهي أبعد ما يكون عن الإسلام ، وأقرب ما يكون إلى الجاهليّة ، فقد بات النسب إلى الدّين هو النسب الحقيقي ، وهذا ما يحقّق أرقى درجات التمازج الحضاري بين الأمم .
3 - 4 - 4 - 1 - اللّغة الفارسية :
إذا كانت اللّغة العربية أبرز مظاهر التّمازج الحضاري بين العرب والفرس فإنّ أثر اللّغة الفارسية في العربيّة واضح تماماً ، وهذا التأثير لم يظهر بعد الإسلام ، وإنما نجده قبل ذلك ، إذ إنّ العلاقات العربية الفارسية كانت قد بدأت منذ الجاهلية ، وخير دليل على ذلك ما نجده من مفردات في الشّعر الجاهلي والقرآن الكريم ، ويبدو أن هذه المفردات كانت شائعة في الحياة الاجتماعية العربية ، تتغلغل إلى تفاصيل الحياة اليومية ، فقد روى التوحيدي أن النبيّ صلوات اللّه عليه وآله وسلّم قال لسلمان الفارسي : « اتّخذْ لنا سُوراً » أي طعاماً كطعام الوليمة ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 145 ) .
والناظر في كتب أبي حيّان يلاحظ مدى حضور اللّغة الفارسية ، في العصر العباسي ، خاّصة في مناحي الحياة الاجتماعية ( الطعام ، أدوات المطبخ ، الملابس ، السلوك . . . ) .
اللّافت للنظر أنّ هذه الألفاظ لم تكن في لسان أهل الحضر فقط ، وإنما تأتي على لسان البدو أيضاً ، وقد برز لنا هذا الاختلاط على أوجه ، حين يقدّم للأعرابي طعام فارسي يسمّي كامخاً « 1 » .
هامش
( 1 ) - كامخ معرّب كأمة ( خامة ) والجمع كوامخ .